حسن الخطيب
بعد حوالي شهرين أتمّ عامي العاشر في المملكة العربية السعودية، ويا لها من رحلة مفعمة بالمشقات والعقبات والمصاعب و العمل الدؤوب الممزوج بفرح النجاح المنتظر. أذكر تلك الأيام عندما كنت لا أزال طالباً في مدرسة مار الياس للآباء الكرمليين في الزاهرية.
أذكر أنّ الحياة كانت بسيطة وسعيدة. كنّا مجموعة تلاميذ أشقياء ننظر للحياة بالكثير من الأمل والطموح، وكانت الأحلام بريئة وخجولة. لا أزال أذكر مشوارنا الأسبوعي المقدس إلى قصر عبد الرحمن الحلاب من أجل تناول الحلوى، وفي معظم الأحيان كنّا نعرّج على أحد المطاعم في مبنى "السيتي كومبلكس" الصامد حتى اللحظة من أجل تناول الغداء. في طريقنا الى وجهتنا، كنّا نمرّ في شارع التل الشهير، فتعانق أصوات الباعة آذاننا، وغالباً ما كنّا نتوقف عند أحد هؤلاء الباعة لشراء إحدى المجلات الفنية بغية معرفة آخر أخبار مطربينا المفضلين.
في أعوام الدراسة الثانوية، كانت قد بدأت تجتاحني موجات الفضول و التمرد. أردت الخروج من طرابلس، أحسست بها مدينة ضيقة على أحلامي، أردت النزول إلى الجامعة الأميركية، أردت خوض معترك الحلم، ودّعت طرابلس و انطلق قطار رحلتي. اليوم وبعد أكثر من أربعة عشر عاماً على مغادرتي لتلك المدينة، يكاد الحنين إليها يمزقني.
أكتب عنها و أنا أعرف مدى المعاناة التي تنهش هذه المدينة يومياً. لطالما كانت طرابلس مظلومة حتى في أيام البحبوحة، فهذه المدينة التي أعطت لبنان الكثير لم تكن يوماً على لائحة أولويات الدولة، مع العلم أنّ النواب الكرام الذين مثّلوا المدينة منذ عقود خلت يعتبرون من أغنى أغنياء لبنان. ولكن عوضاً عن إمطار مدينتهم بالمشاريع والمبادرات والإعمار، تجاهلوها، استغلوا شبابها في معارك عبثية، أراودا إبقائها أسيرة فقر متقع كي يبقوا على تحكمهم بها، ربطوها بتهم الإرهاب والتطرف الباطلة وجعلوها تنازع ببطء.
أذكر في أحد أيام المعارك التي كانت تشهدها المدينة في السنوات السابقة أننّي كنت مسمّراً على التلفاز أتابع الأخبار، فشاهدت أحد التقارير المصورة التي تصمنّت حديثاُ لأحد الشبّان الطرابلسيين الذي أراد الظهور على الكاميرا من أجل الشكوى من الحال. يومها، كان يتردد في الإعلام أنّ هناك مشروع هبة خارجية للجيش بقيمة ثلاثة مليارات دولار. انتفض الشاب على الكاميرا وقال: الجيش ليس بحاجة إلى ثلاثة مليارات دولار، أعطوا مليار واحد لمدينة طرابلس وعندها نستطيع أن نبني معملاً أو معملين لتشغيل العدد الأكبر من اليد العاملة الطرابلسية. ثمّ أردف الشاب قائلاً: عندما تؤمنون للشباب فرص العمل، لن يكون الجيش منهمكاً في حلّ الصراعات، نظراً إلى أنّ ما من شاب عاقل وصاحب عمل يؤمّن له حياة كريمة سيقدم على ترك عمله و هدم مستقبله من أجل حمل السلاح والمشاركة في حرب عبثية. تابع الشاب: ولكن عندما تتركون الشباب عاطلين عن العمل يفترشون الشوارع والمقاهي، فإنّ أي شخص قادر على التلاعب بعقولهم والزج بهم في لعبة الشوارع والحروب.
أين هم نواب طرابلس؟ أين أصحاب مليارات الدولارات من معاناة شعبهم؟ ما بهم لا يتذكرون المدينة إلاّ في أوقات الإنتخابات؟ مع العلم أنّ طرابلس لم تخذلهم أبداً بل لطالما أعطتهم أصواتها في كل دورة انتخابية على أمل الخلاص.
كلّنا ندرك عمق الأزمة التي مزّقت لبنان في السنوات الماضية، وإذا كانت طرابلس قد اعتادت على المعاناة في أيام الرخاء، فلا شكّ أنّ الأزمة الحالية كانت بمثابة ضربة بالغة القسوة للمدينة. خلال ثورة 17 تشرين، أطلق على طرابلس لقب "عروس الثورة" ولا أزال أتذكر الشاب محمد الذي أشعل بصورته مواقع التواصل وهو ينظف ساحة النورعلى قدم واحدة، ليصبح أحد رموز الثورة. كما أنّني ومن خلال متابعتي لمواقع التواصل الإجتماعي، ألاحظ عدداّ لا يستهان به من المبادرات الفردية والشبابية على جميع الأصعدة. أرى شباب طرابلس ينظمون النشاطات، يؤسسون الجمعيات، يطلقون المبادرات و يمدون يد العون للمحتاجين. هؤلاء الشباب يقولون اليوم: لن نستسلم، لن نترك مدينتنا الحبيبة تموت، نحن قادرون على الإستمرار والغد لنا.
هؤلاء الشباب يظهورن صورة طرابلس الجميلة، المثقفة، الواعية. يقولون أنّ أبناء المدينة يحبّون الحياة لكن بكرامة. بعملهم الذي ترفع القبعة له، يمحون أي أثر للصورة القاتمة المشوهة التي حاول البعض يوماً إلصاقها بطرابلس.










11/13/2022 - 11:44 AM





Comments