وجوهٌ استقلاليّةٌ وسياديّة مِن ضيعةِ الشبانيَّة اللبنانية

11/13/2022 - 10:05 AM

A

 

 

الاب الدكتور نبيل مؤنس *

 

الإستقلالَ معركةُ الإنسانِ مِنَ المهدِ إلى اللَّحد. عندما يقولُ الكتابُ المقدَّس "وخلقَ اللهُ الإنسانَ على صورتِه ومثالِه"، يعني ما لا يُحَدُّ مِنَ المعاني والتفاسير، لأنَّ الله لا بدايةَ له ولا نهايةَ. إنَّه الوجودُ والحقُّ والحقيقةُ منذُ الأزلِ وإلى الأبد.

هنا أحبُّ أن أشير إلى جوهرِ الله، إذا جازَ التَّعبيرُ، واللهُ هوَ الجوهرُ وهوَ الحاضرُ والغائبُ المطلَقُ، هوَ الحرُّ بلا نهاية، والحرّية اللانهائيَّة، هوَ الكائنُ المكوِّن والصمَد، الخالقُ غيرُ المخلوقِ، إنَّه حرّ وحبٌ، نورٌ ونارٌ، ريحٌ وروحٌ، إنَّه الكلُّ، الكمالُ، إنَّه البديعُ، مبدِعُ الإبداعات بمجملها، المنظورةِ وغيرِ المنظورةِ.

هوَ قالَ: "أنا هوَ". والزَّمنُ يعبُر ويأكلُ كلَّ مَن وُجِد وهوَ باقٍ. "هوَ هوَ "في وجهِ الوُجوه، باقٍ، عالٍ، سامٍ، فوقَ كلِّ الصِّراعات الوجوديَّةِ وتمرُّد الأرواحِ، وخِدَعِ المُخادعِ الأكبرِ في القلوبِ والعقولِ والتاريخِ.

إنَّه اللهُ العظيمُ، المحرِّرُ المحيي لكلِّ ما يدِبُّ في الأرض أو يطيرُ فوقها أو يدورُ في مدارِها وخارجِها حتى القببِ السماويَّةِ.

وجوهٌ استقلاليّةٌ وسياديّة مِن ضيعةِ الشبانيَّة اللبنانية

الرئيس الياس سركيس، الفيلسوف كمال الحاج والراهب البروفيسور يوسف مونِّس

 

اخترتُ هذهِ الأسماءَ لأنَّها معاصرةٌ وعانتْ معاناتِنا وفي استشهادها وشهاداتِها الآنيَّة أمثولةٌ وإيحاءٌ لشعبِنا ومفكِّرينا اليوم الذين يبحثون عنْ حلٍّ لوطنِنا لبنان، بلدِ الرِّسالة. لكنَّ قلبَه مطعونٌ بحربةٍ وشعبَه ينزِف بالدَّم الغالي واللّحمِ الحيِّ كي يحيا بحرِّية وكرامةٍ واستقلال.

- الرئيسُ الياس سركيس الشهيدُ مِنَ الشَّهادةِ البيضاءَ للبنان وصاحبُ اليدِ النَّظيفةِ البيضاءَ التي أعطت لبنان الذهب الغالي، تركَ للقصرِ الجمهوريِّ أيضاً مداميكَ منَ الأموالِ لبقائِه صرحاً حرَّاً سيِّداً مستقِلَّاً . كما أنَّه غادرَ القصرَ بعدَ أن عملَ بكلِّ ما أُعطِيَ مِن قوَّةٍ لإيصال الرئيس

البطل الشهيد بشير الجميل إلى سدَّة الرئاسة.

بالنسبة إليَّ، كان مثالاً في التقوى والصبرِ والإيمان، صمدَ في قصرِه حرَّاً مستقلَّاً. لم يرهَبِ القنابلَ ولا المدافعَ ولا الموتَ. إنَّما تسلَّح بالقربان المقدَّس حتى في قصرِه الذي كانَ ينقلُه إليه الأب الدكتور يوسف مونِّس تحت القصفِ بالرَّاجمات والمدافع. يا له مِن خيرِ مثالٍ في هذه الآونةِ المهترئةِ مِن تاريخنا.

- كمال الحاج الفيلسوف الذي استُشهِد منْ أجل إيمانِه بيسوع الذي سارَ على دربِه متمثِّلاً بهِ، بحكمتِه، بتعليمِه، وبخدمتِه واستشهادِه. إنَّه فيلسوفُ القوميَّة اللبنانيَّة، وفيلسوفُ الميثاقِ الوطنيِّ. بكلمةٍ جريئةٍ إنَّه مِن "فل وسف " في البحثِ عنِ الحقيقةِ التي وجدَها في سرِّ الكلمةِ وأعظمِ الكلام، وأعظمِ كلمةٍ على وجهِ الأرض.إنَّما هي المحبَّةُ. إنَّه شهيدُ المحبَّة بثلاثيتها: الأخويَّة، والوطنيَّة، والإنسانيَّة.

- الأب البروفسور يوسف مونِّس الرَّاهب اللُّبنانيُّ المارونيّ

كلُّ راهبٍ هوَ شهيدٌ مِنَ الشَّهادة البيضاءَ.

لم يتوقَّفْ الأب مونِّس عن الإستشهاد والشَّهادة، إلى هذهِ السَّاعةِ، للحقِّ وهوَ الله، للاهوت في الكلمةِ المتجسِّدةِ، ولفلسفةِ اللقاءِ وعلْم الإنسانِ وبناءِ الشخصيَّة اللبنانيَّة التي تنتفضُ دوماً مِنَ الرَّمادِ بقوَّة الإيمان المتجسِّد بيسوع. تقرَّح جسدُه مِنَ الألم والمعاناة مِن أجلِ حمايةِ القِيَمِ والأخلاقِ في لبنان وفي العالمِ أجمع.

أحبُّ هنا أن استرجعَ مِنَ التاريخِ وقفةَ عزٍّ واستقلالٍ ومقاومةٍ روحيَّةٍ وفكريَّة قام بها الأب البروفيسور مونِّس منذُ بدايات الحرب اللبنانيَّة.

لدى اجتياح القوَّاتِ المشتركةِ التي تمثَّلتْ في زحفٍ عسكريٍّ فلسطينيٍّ ويساريٍّ وإسلاميٍّ متطرِّف ربيع ١٩٧٦، وفي حمأة النِّزاع المتفجِّر، أقدم ثلاثة رهبانٍ شجعانٍ: المرحوم الأباتي بطرس قزِّي، والأباتي بولس نعمان والأب يوسف مونِّس. ذهبوا لملاقاة الزَّعيم الشَّهيد كمال جنبلاط الذي أخذ يلوِّح بالحربِ الشَّاملة وبأنَّ الموارنةَ سيكونون أوَّلُ الخاسرين. عندئذٍ أجابَه الأب مونِّس حسب ما دوَّنه الأباتي بولس نعمان في كتابه: "الإنسان، الوطن، الحرية" صفحة ١١٦: " إنَّ آخرَ الأحياءِ في لبنان سيكون مسيحيَّا!" أيَّاً يكُن تفسيرُ هذه الكلمةِ ومنْ أيِّ جهةٍ يُمكن قراءتُها، فإنَّها تعني أوَّلاً وأخيراً، أنَّ لبنان باقٍ. وسيبقى مهما قستِ الأيَّام، بلدَ الحرِّية والكرامةِ واللقاء. لأنَّ شعبَه يحمِل في قلبِه، إيماناً يُمكنه أن ينقلَ الجبالَ.

 

*خادم رعية سيدة لبنان المارونية – نورمان، اوكلاهوما

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment