خاص بيروت تايمز بقلم ميشلين أبي سلوم*
مع بدء العد العكسي لاجراء الانتخابات النيابية المقررة في الخامس عشر من شهر أيار المقبل، تتسع دائرة التشكيك بإمكانية انجاز الاستحقاق الانتخابي.
وكان لافتاً ان أوساطاً تتسم مواقفها ومقارباتها عادة بالموضوعية انضمت الى دائرة المشككين باجراء الانتخابات من خلال الحديث عن عدم قدرة الدولة اللبنانية على اجرائها في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، ومن خلال الحديث عن " اللاجدوى" من انجاز هذا الاستحقاق الدستوري ، كونها لن تسفر عن اية نتائج نوعية ، ومن خلال الحديث أيضاً وايضاً عن ان الانتخابات قد تكون سبباً قبل وبعد اجرائها في زيادة أزمات لبنان وجعلها اكثر تفاقماً وخطورة.
التشكيك باجراء الانتخابات ليس جديداً بالطبع، فمنذ اليوم الأول للإعلان عن موعدها ثارت الشكوك وتصاعدت حول هذا الامر وحول نوايا الطبقة السياسية المضمرة حيالها،الا ان ثمة معطيات جديدة بعضها مدبر وبعضها الاخر مستجد وطارئ دفعت ببعض المشككين الى حد الذهاب بعيدا في شكوكهم الى درجة الجزم بان الانتخابات لن تحصل وان الإعلان عن ذلك ليس سوى مسألة وقت ، بعد ان تتوافر الذرائع المناسبة لذلك سواء عبر حادث امني معين او عبر حصول تطورات لا يمكن معها الاستمرار بالسير على الطريق المؤدي الى فتح صناديق الاقتراع امام الناخبين الذين تتراجع بنسب كبيرة اهتماماتهم بالادلاء بأصواتهم ، خلافاً لما كان عليه الامر لدى انطلاق حراك السابع عشر من تشرين الأول عام 2019 بعناوين تغييرية ...
والجديد اليوم على صعيد زيادة التشكيك باجراء الانتخابات يتركز على ما يلي:
اولا، تراجع الاهتمام بلبنان دولياً بشكل كبير بعد نشوب ازمة أوكرانيا وتحولها الى الازمة رقم واحد في العالم كله.
وما كان مخصصاً من اهتمام وتركيز وعناية بالوضع في لبنان من قبل عدد من الدول وعلى رأسها فرنسا التي شكلت ما يمكن وصفه بلجنة طوارئ لمتابعة الوضع اللبناني وتفاصيله، لم يعد موجوداً بالقدر نفسه الذي كان عليه قبل الحرب الروسية ضد أوكرانيا وما نتج عنها من تداعيات اصابت اول ما اصابت اوروبا كما ادخلت الكرة الارضية في اجواء اقل ما يقال عنها انها شبيهة ولو بشكل جزئي بتلك التي حدثت عشية الحروب الكبرى والشاملة.
ووفقاً لما ابلغه سفير لبناني في دولة اوروبية لمرجع بارز فان متابعة الوضع في لبنان من قبل مستشارين مكلفين في تلك الدولة الاوربية لم يعد لها الحجم نفسه الذي كان عليه قبل الازمة الاوكرانية. وبالكاد يستطيع السفير اللبناني التواصل مع المستشارين المشار اليهم المنشغلين مع رئيسهم بأدق التفاصيل الاوكرانية وانعكاساتها على الوضع في بلادهم وفي اوروبا وفي العالم برمته.
وهذا غيض من فيض ازاء تعاطي العالم مع لبنان اليوم. وما كان يتم التركيز عليه سابقاً حول ان اجراء الانتخابات النيابية هو مطلب دولي وعربي ، لم يعد له الوهج نفسه الذي كان من اهم المؤثرات الضاغطة على الطبقة السياسية اللبنانية من اجل عدم التهرب من اجراء الانتخابات ، انطلاقا من وجود قناعة دولية قد تكون اقرب الى الوهم منها الى الواقع بان الانتخابات ستؤدي الى تجديد الطاقم الحاكم وتغيير الوجوه والقوى المتهمة من قبل القوى الدولية والعربية بالفساد وسوء الادارة والتسبب بازمات لبنان المالية والاقتصادية وعزله من خلال ادخاله بلعبة الصراع بين المحاور الاقليمية والدولية.
ولا يعني ذلك بالطبع ان القوى الدولية والعربية ستتوقف عن المطالبة باجراء الانتخابات الا ان مطالبتها بها لم يعد لها الزخم نفسه الذي كان عليه في مرحلة سابقة سواء بعد انطلاق حراك 17 تشرين او بعد انفجار المرفأ.
ثانيا، ان قدرة الدولة على اداء واجباتها ولا سيما ما يتعلق باجراء الانتخابات دونه صعوبات كثيرة رغم توكيد وزير الداخلية المستمر على جهوزية مؤسساتها من اجل انجاز الاستحقاق الانتخابي. وفضلا عن العوامل اللوجستية المتعلقة كما بات معروفا بتأمين ابسط متطلبات العملية الانتخابية من ادوات وما يسمى نثريات ، فضلاً عن الكهرباء وتجهيز اقلام الاقتراع بكل ما تحتاجه، فان القطاع العام الذي يعاني اليوم الأمرين لن يكون سهلاً على الدولة من خلاله تأمين ما تتطلبه الانتخابات من موظفين سيتولون ادارة وتنظيم عمليات الاقتراع ، هذا عدا الحديث عن متطلبات الامن وما تحتاجه الانتخابات من اجراءات خاصة من قبل المؤسسات الامنية والعسكرية التي تمر بمرحلة أقل ما يمكن ان يقال عنها انها عصيبة وغير مسبوقة . والحديث عن ذلك يطول لكن لا فائدة في هذه الظروف من تسليط الاضواء عليه، خصوصاً وان انعكاسات الازمة لا بل الانهيار الحاصل في البلاد اصابت هذه المؤسسات مثلما اصابت باقي المؤسسات وكل القطاعات العامة والخاصة في البلاد، بشكل أثر ويؤثر على يوميات هذه المؤسسات وحضورها ودورها.
ثالثا، تصاعد الخلافات السياسية بشكل مستمر بشكل بدا معه انه ليس هناك ملف او موضوع او قضية حتى ولو كانت بمستوى ملف ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الصهيوني، خارج اطار الانقسام السياسي وليس فقط الخلاف ،بما يشير بوضوح الى عدم توافر الارادات الجامعة والكفيلة في حال توافرها بمعالجة ما قائم من مشكلات وبما يطرأ ويستجد من ازمات كلما نشأت واحدة جديدة منها كلما برز ان الامور تتدحرج من الاوضاع السيئة الى اوضاع اكثر خطورة .
رابعا، الاذلال اليومي الذي يتعرض له المواطن في كل لبنان ليس فقط لتأمين قوت يومه، بل وايضا في تأمين ابسط متطلبات العيش له ولعائلته، مع كل ما رافق ذلك من ارتفاع نسبة الفقر والعوز في لبنان الى درجة لم يشهدها في عز الحروب الداخلية التي شهدها. ومع تراكم الازمات فان هذا الموضوع تحول الى قنبلة اجتماعية قابلة للانفجار في اي وقت من جراء ما يتهدد الامن الغذائي للمواطن ، وبشكل لا ينفع معه اي كلام عن ان الامور ستتغير اذا حصلت الانتخابات او لم تحصل . والحديث عن القنبلة الاجتماعية ليس حديثاً مبالغاً فيه ، وكل الارقام تشير الى ان حالة التململ والغضب الشائعة في لبنان حالياً لا بد لها من ان تتفجر وخلال الفترة الفاصلة عن اجراء الانتخابات ، بشكل لا يمكن معه الا توقع ذهاب الامور الى ما لا يحمد عقباه.
خامسا، الخلل الحاصل على مستوى تمثيل احد اهم المكونات الحيوية في لبنان، والمتعلق بالطائفة السنية بعد عزوف الرئيس سعد الحريري وتيارالمستقبل عن المشاركة في الانتخابات، واخفاق كل من حاول و يحاول سد الفراغ الناتج عنه حتى الان ، وهو امر ينذر في حال استمراره باهتزاز صيغة المشاركة مع كل ما يترتب عن ذلك من نتائج على المستويات كافة .
ورغم كل ما ورد فان الانتخابات النيابية تبقى احتمالا قائماً ، لا سيما مع اعلان القوى السياسية حرصها على اجرائها، ودخول المسار الانتخابي مرحلة جديدة بعد ان بدأت تظهر صورة الترشيحات تباعاً.
الا ان الاهم من ذلك وهو ما ينبغي انتظاره هو ما كشفه مصدر واسع الاطلاع "ان الانتخابات ستطير وان هذا الامر سيظهر بوضوح بعد فترة قصيرة لا تتجاوز الاسبوعين".
نستنتج مما سبق ان امام لبنان حوالي اسبوعين يمكن على اساس ما قد يحصل خلالهما ،الحكم على مصير الانتخابات سواء بالنسبة لحصولها او بالنسبة لتأجيلها او تطييرها. وهي فترة قصيرة " ويا خبر اليوم بمصاري وبكرا ببلاش" كما يقول المثل العامي الشائع.
صحافية لبنانية
Comments