جان بيار سعد.. وجه من وجوه الأمل في لبنان

03/08/2022 - 12:30 PM

Arab American Target

 

 

حسن الخطيب

 

كما في كل مقال أبدأ بالمقدمة المعتادة. منذ أن أصبح العالم الذي نسكن فيه حفلة جنون وحلبة صراع، ومنذ أن أصبحت الحياة معركة نحاول فيها النجاة بأقل قدر ممكن من الخسائر، تغيّر تفكيري وأصبح جهدي منصباً على إيجاد نقاط ضوء في النفق المظلم الذي سيطر على كل مفاصل حياتنا. أصبحت أبحث عن أناس وأحداث مختلفين يشكّلون عبر تجاربهم مصدر إلهام ورافعة أمل في خضّم العتمة التي غمرت نهر حياتنا.

في بعض الأحيان تصبح الحياة قاسية جداً ويصبح الألم أكبر من قدرتنا على التحمّل، كما تصبح تجارِب الحياة أكبر من طاقتنا على استيعابها. وفي عالمنا الحالي الذي مزّقته الأزمات و نهشت جسده الجراح أصبح الألم هو الواقع وأصبحت الطُمَأنينة الحلم البعيد المنال. في هذه الحالة، وكي يستطيع الإنسان أن يستمّر عليه أن يتمّعن في تجارِب استثنائية، عليه أن يجد أناس مختلفين يشكّلون في عمق ألمهم و جهادهم اليومي أمثولة في القوة و الصلابة. جان بيار سعد هو أحد هؤلاء الناس المختلفين.

منذ حوالي الثلاثة أشهر كنت أتصفّح موقع "ليبانون ديبايت" فلفتني خبر تحت عنوان : "جان بيار سعد ... الأمير النائم اللبناني". دخلت إلى الفيديو المرافق للخبر وبدأت قصتي مع جان بيار. أصدقائي، جان بيار هو شاب لبناني أصبح اليوم رمزاً للشباب ومصدر إلهام وفرح لآلاف الناس. هذا الشاب الرياضي الذي قضى مراهقته وفترة شبابه المبكر يحصد الميداليات ويتصدّر المشهد الرياضي في لبنان كان مثالاً لروح الشباب المفعمة بالحياة حيث كانت مفكّرته تتفتق من كثرة المواعيد والأحلام. كان هذا حتّى سنوات مضت، إلى أن تدخّل القدر وحوّل جان بيار إلى بطل من نوع آخر.

منذ حوالي الثلاثة سنوات وأثناء ممارسته لإحدى الحركات الرياضية الخطيرة التي كان جان بيار اعتاد تأديتها، تعرّض بطلنا لإصابة بالغة في رقبته سبّبت له شللاً رباعياً جعله طريح الفراش. منذ ذلك الحين تغيّر كل شئ، ولم تعد التفاصيل هي نفسها. بدأت رحلة جديدة، بدأت حياة جديدة، رحلة امتزج فيها الألم العميق بالأمل الكبير والإلهام والجهد المستمر لمحاربة اليأس والسيطرة على الشعور بالعجز. منذ أن تعرّفت على جان بيار أصبحت متابعاً وفياً له على تطبيق "تيك توك" حيث أصبح بطل قصتنا صاحب انتشار واسع ومصدر فرح للكثير من الناس.

أدخل يومياً على التطبيق لأرى جديد جان بيار فأجده يطلق النكات و ينشر الدعابات ولا تفرغ مخيلته من الأفكار الجديدة. أنظر إلى ابتسامته، إلى روح النكتة التي يمتلكها فأتساءل عن مصدر قوته. مؤخراً قامت أكثر من محطّة تلفزيونية بإجراء لقاءات مع جان بيار بهدف الإضاءة على قصته وكان اللقاء الأخير مع قناة "سكاي نيوز العربية". استعرض جان بيار خلال اللقاء المذكور قصّته، شرح مدى صعوبة الحالة وحاول التكلم عن كيفية تأقلمه مع حياته الجديدة التي بدأت بعد الحادث. تحدث عن الشلل الذي لم يستثن حتى عضلة التنفس، تحدث عن القوة التي تثنيه عن البكاء وذكر لنا المرة الوحيدة التي لم يستطع خلالها السيطرة على دموعه. جان بيار هو محارب. جان بيار يحارب المرض، يحارب جسده الذي أصبح لا يستجيب له، هو يحارب شعور اليأس الذي يتسلل إليه بين الحين والآخر، يحارب القدر الذي يقول له أنّه و حتى الآن لا علاج لحالته. يحارب شعور الألم في عيني والديه. يحارب يومياً كي يرسم ابتسامةً على شفتيه ليقول لنا: أنا ما زلت هنا، ما زلت أحارب. يحارب حتى عديمي الأخلاق الذين يرمونه بين الحين والآخر بأسهم حقدهم و كراهيتهم عبر تعليقاتهم السخيفة التي تشبه وجوههم وقلوبهم السوداء.

يظنّ البعض أنّ جان بيار يكابر على الألم غير أنّني أعتقد أنّ جان بيار قد وجد منظاراّ جديداً ليرى من خلاله الأمور. إنّ المنظار الطبيعي الذي يرى من خلاله الناس الأمور لم يعد يفيد بطلنا بشيء، وبات واجباً على جان بيار رؤية الأمور من منظار أخر لمجاراة واقعه والتغلب عليه. يذكرني جان بيار بالدكتور الراحل "جميل زغيب" الذي شغل الرأي العام اللبناني لسنوات طويلة وأطلق عليه لقب "روح طائرة" فالطبيب الراحل والتي كانت حالته أصعب من حالة جان بيار كان قد أضحى رمزاً للقوة والإرادة في حِقْبَة مرضه.

جان بيار أريد أن أقول لك أنّك أصبحت مثالاً ومصدر قوة لنا. أصبحت صفحتك منبع إيمان وإرادة و أمل. أوجّه التحية لك وأتمنى زيارتك يوماً ما. نطلب من الله أن يبقى بقربك وأن يخفّف ثقل الآلام عنك. كل الحب.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment