روسيا تسترجع موقعها؟

03/03/2022 - 10:43 AM

Your Ad Here

 

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

 

فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم بالهجوم على أوكرانيا بالرغم من أن الأميركيين على لسان الرئيس الأميركي جوزف بايدن كانوا يتوقعون ذلك تبعا للتقارير السرية التي يحصل عليها الرئيس الأميركي. الا أن بقية دول العالم كانت تشك في رغبة الروس في الهجوم واحتلال العاصمة وتغيير القيادة الحاكمة. العالم سيقيم مسيرة الرئيسين الروسي والأوكراني وهل كانت هنالك فرصة جدية لتجنب الحرب؟ الواضح أن الرئيس بوتين الذي اعتبر في سنة 2005 أن زوال الاتحاد السوفياتي كان خطأ كبيرا، أتاح لنفسه هذه الفرصة الثمينة لاستعادة أجزاء من الاتحاد. روسيا تحاول استعادة احترام المجتمع الدولي وفرض هيبتها بعد ان تحولت برأي الرئيس أوباما من قوة دولية إلى إقليمية.

الا أننا لم نحلل بعد مسيرة الرئيس الأوكراني في الحكم وهو الآتي من عالم آخر. هنالك الكثير من المعلومات ربما جائرة أو خاطئة بشأن حكمته وكفاءته في ممارسة مهامه في ظروف دقيقة. هل أخطأ الرئيس الأوكراني في ادارة العلاقات مع الجار الروسي؟ هل كان بامكانه تصحيح العِلاقة أو أقله ادارتها لتجنب حرب وشيكة؟ ربما كان يعتمد على مساعدة غربية أقوى وأسرع، وهذا ما قاله بشأن وضع عقوبات مسبقة على روسيا. حقيقة، الغرب والأميركيون تحديدا ليسوا مستعدين وراغبين في حرب نووية بسبب أوكرانيا. الأميركيون شعبا وقيادة مهتمون بشؤون أكثر أهمية لهم، أي الصحة والاقتصاد والنمو وغيرها. لا يمكن للغرب أن يواجه روسيا من دون الولايات المتحدة التي تدخل الى الحرب فقط اذا حاولت روسيا مواجهة حلف شمال الأطلسي مباشرة وهذا ما لم يحصل بعد. أوكرانيا ليست في الحلف وربما لن تدخله أبدأ.

روسيا الحالية نشأت بعد سلسلة من العواصف السياسية التي أطاحت بالاتحاد السوفياتي بدأ من بولندا في سنة 1980 عندما أنتهى النظام الشيوعي. استمرت الثورة حتى سنة 1991 عندما تحررت روسيا من الشيوعية. لا ننسى أن الثورة السوفياتية في 1917 كانت تحديا كبيرا للعالم أو "مركزا للحريات" كما رغب كارل ماركس في تحقيقه. مع الاتحاد السوفياتي، وجد أول مجتمع اشتراكي كامل وليس مزيجا أي أنظمة اشتراكية ديموقراطية تعتمد نظاما ما بين الرأسمالية والاشتراكية. كانت الممارسة السوفياتية جيدة في البداية خاصة حتى انتهاء ولاية لينين مع وفاته في 1924، لكن التراجع ظهر مع حكم ستالين. في كل حال من قرأ المنشورات الغربية حول صحة الاتحاد السوفياتي قبل الانهيار، كانت تشير جميعها الى أن الاتحاد تجربة ناجحة وبالتالي كان السقوط السريع مفاجأة كبيرة لأهم الخبراء. منهم من توقع أن الغرب سينهار أو يعتمد بعض الأفكار الاشتراكية، لكن العكس تحقق.

كيف يمكن تفسير هذه الأخطاء الكبيرة في القرأة والتحليل التي أضعفت الثقة بالمجتمع الأكاديمي الغربي؟ ربما كانوا ينظرون الى الأوضاع السوفياتية بعقلية غربية مختلفة. فشل الاتحاد السوفياتي ربما لأنه حاول تطبيق الشيوعية من فوق الى الأسفل وليس العكس، أي لم يستطع دمج العقليات والعرقيات عبر مبادئ ماركس الداعية للحرية والعدالة والتوازن والمساواة. فرضت المبادئ من الأعلى ففشلت. انهار الاتحاد السوفياتي وفي الواقع واجهت روسيا في 1991 مشاكل معقدة أكثر من التي واجهتها في 1914. كانت تنقصها المؤسسات القوية والقطاعات الاقتصادية المنتجة كما الحريات الحقيقية. ارتكز اقتصادها وما زال على تصدير المواد الأولية المختلفة كما الأسلحة الفاعلة المتطورة. قال يومها الرئيس السابق يلتسين أن المجتمع الروسي أصبح مريضا بعد الشيوعية أي لا يعرف كيف يتوجه مستقبلا. تغيير كبير في القواعد والمفاهيم والممارسات لا تستطيع الشعوب تقبله بسهولة وسرعة.

هنالك ركائز جديدة تبنى عليها روسيا الاقتصادية بدأ من تطور تكنولوجي كبير ينعكس على الفضاء والاتصالات وانتاج الأسلحة مع تدخل أقل للقطاع العام مقارنة بما كان يحصل مع الشيوعيين. تحول الاقتصاد الى الرأسمالية علما أن العدالة الاجتماعية التي أطلقها ماركس لا يمكن أن تنتج عن أنظمة السوق. كان هنالك اعتقاد غربي بأن سقوط الاتحاد السوفياتي ينهي الدور الروسي، وهذا ما يحاول بوتين استرجاعه بدأ من الجوار الأوكراني. اعتقد الغرب يومها أن النظام الاقتصادي الغربي هو الوحيد الباقي وسيدوم الى الأبد.

روسيا مع بوتين الذي أصبح رئيسا في سنة 2000 عادت الى حكم الشخص الواحد وهذا ما ظهر واضحا مع الأزمة الأوكرانية. المسيرة الروسية لم تكن كلها سلبية بل هنالك ايجابيات مهمة منها استضافة بطولة العالم لكرة القدم في تموز 2018 والتي أعطت انطباعات مهمة للزوار كما للمشاهدين. كما أن الدور الروسي في العالم ارتفع معتمدا ليس فقط على الجيش بل أيضا على التكنولوجيا والعلاقات الاقتصادية السليمة مع الخارج. في منطقتنا يمكن القول أن روسيا تملك علاقات ممتازة مؤثرة مع كل الأطراف المتنازعة. أما العقوبات القاسية الأخيرة فستؤثر مع الوقت عليها وعلى الدول التي لها علاقات معها.

ما هي التأثيرات الاقتصادية للحرب الروسية ضد أوكرانيا؟ يمكن ايجازها بثلاثة:

أولا: أسعار الطاقة أي النفط والغاز التي ارتفعت. تأثيراتها على التضخم العالمي ومعيشة الفقراء ستكون واضحة وكبيرة. هنالك جانب ايجابي وهو أن ارتفاع هذه الأسعار يشجع أكثر على استعمال الطاقات البديلة وبالتالي يراعي التحديات البيئية. من ناحية الدول المصدرة للطاقة، سترتفع ايراداتها لكن ربما قليلا لأن الطلب لن يكون قويا نتيجة الأوضاع الاقتصادية العالمية.

ثانيا: أسعار القمح مهمة جدا لمعيشة الفقراء. حجم روسيا وأوكرانيا في تجارة القمح كبير. هنالك دول يمكن أن تعوض نقص الانتاج والصادرات لكن لا بد من تنويع مستقبلي أفضل للمصادر.

ثالثا: النزوح السكاني الهائل الذي نعرفه جيدا في منطقتنا وما زلنا نعاني من نتائجه. مشكلة النزوح هي أنها تظهر أحيانا أنها مؤقتة، أي يعود بعدها النازحون الى دولهم ومنازلهم لكن هذا غير مؤكد. من الممكن أن يخسر النازحون منازلهم وأعمالهم وبالتالي تصبح العودة أصعب بكثير. لا بد من الاهتمام بالدول التي تستضيف العائلات والتعويض عليها كي تستطيع القيام بواجباتها. النزوح السكاني يشكل تكلفة انسانية ومادية كبيرة على كل دول المنطقة.

لا بد أخيرا من أن نكون قلقين تجاه واقع دول قوية تحتل دول صغيرة أو ضعيفة، وهذا تصرف خطير يمكن أن يمارس في كل القارات. لذا الحلول الدولية مطلوبة لمنع التكرار. أما الدور المجهول فهو دور الصين التي تراقب وتدعم ظاهريا روسيا لكن دون أن تدخل مباشرة في الصراع. ما يجري يضعف روسيا والغرب والرابح هي الصين.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment