بسام ضو *
تتعرض الجمهورية اللبنانية منذ تأسيسها لعدة عوامل خطرة تتأتى من الذين تناوبوا على إدارتها وهذا ما يعرف في علم السياسة بـ "تضارب المصالح"، وهو أمر يستطيع من خلاله من في يدهم أمر السلطة من تحقيق مصالح مادية أو معنوية على حساب الواجبات الوظيفية الوطنية .وبعد بحث ميداني مستفيض في محاضر كل من المجالس النيابية والوزارية والرئاسية وما شابه المتعاقبة لم يسعَ أيٍ من الكائنات السياسية إلى مكافحة هذا الفساد المزمن بقوانين علمية قانونية حفاظًا على الممارسة السياسية الحكيمة بما تنص عليه القوانين المرعية الإجراء وسمعة الدولة ونزاهة من توّلوا على الشأن العام.
علم القانون المعتمد دوليًا ولبنانيًا يُعرِّف منظومة تضارب المصالح بأنها كل تصرف أو موقف يحقق مصلحة مادية أو معنوية لهيئة سياسية أو حزبية أو حتى إنسانية – إجتماعية بأي شكل من الأشكال وتكون متعارضة مع أداء واجباتها الوظيفية السياسية – الأمنية – الإقتصادية – المالية – الإجتماعية أو الواجبات الرسمية الموكلة إليها. وبكوننا مسؤولين كمراكز أبحاث آلينا على أنفسنا أن نعرض خطر هذه المنظومة على الجمهورية ومؤسساتها وعلى الشعب الرازح تحت وطأة المشاكل والهموم والغاية من حظر هذه المعضلة هو منع تشكُّل أو إحداث ضرر بمصالح الجمهورية ومؤسساتها والشعب أو المّسْ بمصالحهما سواء أكانوا أشخاص طبيعيين أو هيئات أو مؤسسات حكومية أو خاصة وذلك عبر الإلتزام بالقوانين والآليات الإدارية التي تضبط الأداء السياسي الذي أنتج هذه الفوضى منذ سنوات الإستقلال وما زال مستمرًا لغاية اليوم.
ينشأ تضارب المصالح في ظروف يُحتمل أن تؤثر في ظلها مصلحة ثانوية أو في الحالات التي قد يبدو إلى حد معقول أنها تؤثر تأثيرًا لا مبرّر له في الأحكام والإجراءات المهنية المتعلقة بمصلحة رئيسية من حيث إستقلالها أو موضوعيتها. ولا يعني وجود تضارب المصالح بجميع أشكاله بالضرورة الإتيان بعمل غير ملائم بل تشير بالأحرى إلى وجود خطر الإتيان بمثل هذا العمل غير الملائم. ولا يتخذ تضارب المصالح شكلاً ماليًا فحسب بل يمكن أن يتخذ أيضًا أشكالاً أخرى، ويصف تضارب المصالح المؤسسي حالة قد تأثّرْ في ظلها دون مبرِّرْ المصلحة الرئيسية لدولة عضو على النحو المبيّن في ولاية الدولة المؤسسية المتمثلة في حماية المصلحة العامة وتعزيزها بتضارب مصلحة إحدى الجهات الفاعلة غير الدول على نحو يؤثر أو قد تبدو إلى حد معقول أنه يؤثر في إستقلال عمل الدولة العضو في مجال التنوير الفكري.
إنّ المصالح العامة والمصالح الخاصة من العبارات التي يكثُر إستخدامها في لبنان وهي من لوازم الحياة السياسية اللبنانية، فلكل سياسي مجاله وحدوده وفقًا لإرتباطاته وربما المعروفة لدى الكثير من اللبنانيين ومن البعثات الأجنبية العاملة على الأراضي اللبنانية. والمصلحة العامة تكون من أولوية القادة الشرفاء وخصوصًا أصحاب الضمائر النيّرة والرؤى المعتدلة، ووفق العلم الإجتماعي إذا عرف كل إنسان مسؤولياته وواجباته إنتظمت الحياة الوطنية، إما إذا قُدِّمَتْ المصالح الخاصة على المصلحة العامة فهنا تكمن المشكلة وتتعالى المطالبة بالتجرُّد والإصلاح ليتحقق للمجتمع إستقراره وتقدمه ورقيه.
إنّ الجمهورية اللبنانية للأسف الشديد اليوم وبالأمس حتى في المستقبل المنظور تعاني من تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة في الكثير من شؤونها وقد اشتهر تسمية ذلك بين اللبنانيين بالفساد الإداري وأي فساد وضرر أعظم من التعدّي على مؤسسات الدولة وعلى أموال الناس والحقوق العامة والتساهل في ذلك دون خوف ولا خجل .إنّ التعدي على المصلحة العامة للجمهورية تعدٍ على حقوق المجتمع اللبناني بأسره وضرر يلحق بالجميع لا بل هو في الحقيقة جريمة في حق المجتمع اللبناني لِما له من آثار جِدّ سلبية خطيرة ولن نخفي سِرًا إنْ قُلنا أنّ ذلك الأمر أصبح مشكلة متلازمة مع المجتمع اللبناني تَصعُبْ معالجته مع هذه الطبقة السياسية الفاشلة. لا شك كـ متابعين وكـ مراكز بحوث إنّ ما قام به الشعب بدءًا من 17 تشرين في لبنان يؤكد بجلاء تام أنها عبارة عن ردود فعل طبيعي لتفشي سيطرة المصالح الخاصة على مصالح الجمهورية وهذه مشكلة خطيرة كمراكز أبحاث لبنانية ومن نتعاون معهم في عالم الانتشار وعواصم القرار نسعى لإيجاد حلول لها ولكننا نصطدم بطبقة سياسية تُحاصر كل قوى التغيير وحصارها مُطبق وبلغ مختلف دوائر الجمهورية. إنّ ميثاق الأمم المتحدة أرسى دعائم المجتمعات بحفظ الحقوق العامة والخاصة من التعدي بأي صورة من صور التعّدي فلا يجوز لأي مكوّن سياسي أن يتعدّى أو يستخدم سلطته في تحقيق مصالح الخاصة البتة...
إيمانًا منّا بضرورة إنقاذ جمهورية شلّعتها المصالح الخاصة دُعينا إلى ندوة تحت عنوان " تعارض المصالح في الجمهورية اللبنانية" حيث شاركنا فيها مع عدد من المسؤولين والناشطين المهتمين بالشأن العام إضافة إلى باحثين واكاديميين يمثلون بعض الإتجاهات السياسية والإقتصادية والمالية والفكرية والثقافية المهتمة بأمر تحرير الجمهورية من قبضة خاطفيها ...
السعي من طريق هذه الندوة كان كشف تأثير تضارب المصالح في تفّشي الفساد في الجمهورية اللبنانية من خلال إظهار أثره في ثلاثة بنود رئيسية وهي:
- الأمر الأول يتعلق بتضارب الولاء الوطني وما يتصل به من مصالح وأطراف خارج الجمهورية بما يهدد أمنها وأمن مواطنيها ومؤسساتها الشرعية .
- تضارب مهام المسؤولين كرقابة وقيّمين بين الخاص والعام بما يفقد الإستقلالية والنزاهة في أداء الواجبات.
- البحث في إشكاليات العلاقة بين الأصيل والوكيل وما يعتريها من تعارض في المصالح.
عسانا نصل إلى منظومة سياسية فكرية تعيد للجمهورية حضورها الفاعل بين الأمم ولإنتشالها من بين الركام بعد أن شلّعتها المصالح الخاصة .
*كاتب وباحث سياسي











02/27/2022 - 12:46 PM





Comments