حسن الخطيب *
"شفلي بدربك بيت بيي.. أول صورة بعينيّ". منذ أسابيع وأنا أردّد هذه العبارة مع صوت "عازار حبيب" الجميل الذي يأخذني إلى الماضي القريب والبعيد، إلى مسقط رأسي والمدينة الأحب إلى قلبي: طرابلس.عندما أنهيت دراستي في "مدرسة مار الياس للآباء الكرمليين" أومدرسة الطليان كما يحب أهل طرابلس تسميتها، لا أنكر أنّه كان لدي رغبة عارمة بمغادرة طرابلس إلى مدينة بيروت للالتحاق بمقاعد الجامعة الأميركية وبدء حياة جديدة بعيداً عن بساطة المدينة والروتين اليومي والأفكار التي بدت لي في مطلع شبابي معتقدات محدودة لا تحاكي أحلامي وطموحاتي.
تركت المدينة في العام 2008 وبدأت رحلة العلم والعمل والغربة، ومنذ ذلك الحين أصبحت زياراتي لطرابلس تتم بين الحين والآخر بهدف زيارة الأهل والأصدقاء. عندما تركت المدينة كنت أحلم بصداقات جديدة، بأفكار جديدة، وانطلقت في رحلتي التي توزّعت بين بيروت والسعودية لتدخل غربتي عامها العاشر هذا العام. لا يمكن اختصار رحلة العقد هذه بكلمات معدودة أوعبارات منمّقة نظراً إلى أنّها كانت رحلة شاقة تخللتها الكثير من التجارِب والمشاعر على جميع المستويات، وحوّلتني من شاب يافع خجول ويحمل في شخصيته الكثير من التردّد إلى رجل صُلْب يدرك تماماً كيفية إدارة دفّة السفينة في بحر الحياة الهائج. غير أنّ هذه الرحلة جعلتني أستنتج أنّ الإنسان ومهما علا شأنه ومهما ابتعد بسفره ومهما قابل أناساً وأحّبهم لا بد له من العودة إلى الجذور، إلى الأرض التي أنجبته، إلى أصدقاء مقاعد الدراسة. لا بدّ للإنسان أن يعود إلى أصله.
قصتي مع طرابلس هي قصة مع أمكنة، مع أرصفة، مع ذكريات، مع صدى ضحكات الطفولة المختبئة في زوايا الأرصفة. البداية هي من المدرسة، مدرسة مار الياس للآباء الكرمليين. تلك المدرسة الأسطورة التي خرّجت أجيالاً وأجيال، واحتضنت بين صفوفها ألمع التلامذة الذين أصبح قسماً كبيراً منهم أناساً لامعين رفعوا اسم مدينتهم ووطنهم عالياً. قصتي مع هذه المدرسة طويلة. هي قصة ذكريات وأصدقاء وأساتذة ورحلة تفوق لم تخلو من الصعاب. لا يمكنني أن أزور طرابلس دون أن أمرّ في منطقة "الزاهرية" من أجل زيارة المدرسة حتى عندما تكون مقفلة، وفي كل مرة تلمح عيناي الملعب الكبير تجتاحني موجات الذكريات والحنين. ولا أخفي سعادتي الكبيرة بأنّني استطعت المحافظة على العِلاقة مع أصدقاء كثر وأساتذة أصبحوا اليوم كعائلتي.قصتي مع المدينة هي قصة ذكريات حفرت بريشة القلب والحب على طرقات التل والطرقات القريبة من مبنى السيتي كومبلكس حيت كنّا نتناول الغداء أسبوعياً مع رفاق المدرسة، قبل أن نعرّج على قصر حلو عبد الرحمن الحلاب لنتناول الحلوى الشهيرة.
على الرغم من حبي الكبير لمدينتي بيروت ولجامعتي وللرفاق الأعزّاء الذين كسبتهم خلال مرحلة الدراسة الجامعية، أصبح حنيني إلى طرابلس يتزايد عاماً بعد عام. ربما تكون أتعبتني رحلة الغربة والعمل الشاق التي امتدت لسنوات من دون هوادة، فأصبحت أجد في طرابلس وشوارعها ملجأ يحميني من ضجيج الحياة وتعقيداتها. أصبحت أجد في الذكريات التي نثرتها على طرقاتها علاجاً للقسوة التي طبعتها رحلة الحياة في زوايا نفسي.
عانت طرابلس كثيراً. نهش الفقر أشلاءها على مدى عقود، عاثت الحرب في شوارعها على مدى سنوات ومزقت الصراعات الطائفية أوصالها قبل أن يدرك أبناءها أنّهم كانوا ضحايا سياسيي المدينة الفاسدين الذين راكموا الثروات على مدى عقود من دون أن يفكّروا في بناء أي شئ لأبناء المدينة. ويجب الإشارة إلى أنّ معاناة المدينة تعود إلى عقود خلت وهي منفصلة عن الأزمة اللبنانية الحالية التي تكاد أن تقضي على الوطن. وما فعلت هذه الأزمة إلاّ أنّها راكمت مأساة المدينة، فأصبح ابن طرابلس يشعر أنّه سجين المدينة وسجين الإحباط في ظل انعدام فرص العمل والحياة.
زرت طرابلس مؤخّراً بعد غياب طويل. وعلى الرغم من أنّني استطعت أن أرى مظاهر الإحباط واضحة في وجوه الناس ومعالم الطرقات، شعرت بأنّ الناس يحاولون، لا يستلمون، يرفضون أن تموت مدينتهم، يرفضون صبغة الإرهاب الذي أراد أصحاب القلوب السوداء أن يلصقوها بـ طرابلس، يرفضون أن تبقى المدينة أسيرة تهم الجهل والفقر والتخلف الذي يحاول البعض أن يرمي طرابلس بها. طرابلس هي مدينة الحياة. ألم تكن هي عروس الثورة التي اندلعت في وطننا الحبيب؟ ألم تكن هي المدينة التي جذبت أنظار الناس إليها في أيام الثورة بعد أن عبّر أهلها بكل رقيّ وفرح عن مدى ضيق الحال التي وصلوا إليها؟
ما يلفت انتباهي مؤخراً هو محاولات عدّة يقوم بها أفراد ومؤسسات لمحاولة إحداث خرق في واقع المدينة. على سبيل المثال لفتتني مؤسسة الطوارئ الخيرية التي تنشط حالياً في مجال أعمال الخير والمساعدة. لفتتني أيضاً محاولات جدّية تقوم بها جامعة العزم لتطوير طلابها، فها هي تستعين بأهم الشخصيات في حقول مختلفة ليأتوا إلى طرابلس بهدف إدارة جلسات حوارية وتثقيفية. أخيراً لفتني عمل الشبكات الإعلامية التي يتم تأسيسها على صفحات الفايسبوك التي يقوم أفرادها بجهد ميداني حثيث للإضاءة على مكامن الخلل في المدينة.
هذه المحاولات هدفها إضاءة شعلة من الأمل في نفق الظلام الذي بات يلف لبنان. يريد شبّان وشابات طرابلس أن يقولوا للعالم أنّهم مستمرين في محاولة إنقاذ مدينتهم التي كانت منسية على مدار أعوام، والتي يمعن الإعلام والسياسيين في تناسيها. يريد هؤلاء الشبان والشابات أن يبقوا مدينتهم على قيد الحياة رغم كل الصعوبات وكما تقول فيروز في أغنيتها رجعت العصفورة: "لبنان الحقيقي جايي تيشيل الوجوه المصبوغة والوعود المدموغة و يأخذهن الشتي". أملنا الوحيد هو أن يأتي الخلاص قريباً كي يمحو الوجوه المكفهرة، فلا يبقى إلاّ الوجوه النيرة التي ستعيد لبنان وطرابلس إلى مجدهما ومكانتهما.
إلى طرابلس، كل الحب
* كاتب لبناني











02/11/2022 - 14:50 PM





Comments