أخطاء المال مكلفة

09/09/2021 - 19:05 PM

اطلس للترجمة الغورية

 

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

 

من خصائص أزمات المال انعكاسها السلبي والسيء على كل شيء.  كل القطاعات تتأثر سلبا بالأزمات المصرفية على عكس قطاعات أخرى تبقى مشاكلها فيها.  الأزمة المالية تسيء الى التربية والصحة وجميع قطاعات البنية التحتية والفوقية.  تؤثر القرارات المالية على النمو وما يتبعه من استقرار اقتصادي واجتماعي.  أهم أزمتين ماليتين في العالم كانتا أزمة الثلاثينات وأزمة 2008 الحديثة نسبيا.  العامل المشترك بينهما هو أن أهم أسبابهما كان الانفلاش المصرفي أي الاقراض من دون حدود ومن دون دراسة الى جميع الزبائن.  المهنية المصرفية المعروفة والموروثة عالميا أهملت، بل تم القضاء عليها مقابل التهور والجشع وسؤ الأمانة تجاه المودعين والسلطات العامة.  يمكن القول أن الليبيرالية الاقتصادية النظرية التي عمت العالم ساهمت في دفع المشاركين في الأسواق الى المخاطرة أو المغامرة في سبيل الربح.

حرية الأسواق مفيدة ضمن قوانين الرقابة التي يجب أن تمارسها مؤسسات رسمية متخصصة، للأسف لم تقم بعملها قبل الأزمات الكبيرة.  الليبيرالية المتوحشة شجعت على خلق أدوات مالية جديدة شديدة الخطورة رفعت مستويات المخاطر في الأسواق وسببت الكوارث.  قال الاقتصادي الكبير "كينز" أن الرأسمالية المحافظة والمنضبطة تؤدي دون شك الى نتائج فاضلة أهم بكثير من أي نظام اقتصادي آخر.  يمكن وصف عمل النظام الليبيرالي العالمي بالجيد في آلياته ونتائجه بين سنتي 1990 و 2007.  للأسف ارتفعت معه الديون الناتجة عن سؤ الممارسة خاصة بين سنتي 1986 و 2006 حيث زادت ديون الأسر الأميركية مثلا من 70% من دخلها الى 120%.  كما ارتفعت ديون الأسر البريطانية في الفترة نفسها من 90% من دخلها الى 140%.  كان هذا الارتفاع كبيرا وسريعا في أعرق الدول الرأسمالية مما أحدث شرخا في عمل النظام المصرفي العالمي.  لا شك ان الغاء قانون "غلاس- ستيغل" الأميركي في سنة 1999، والذي أقر في سنة 1933 ليفصل العمل المصرفي التجاري عن الاستثماري، كان له الوقع الأسواء على الأسواق وشفافيتها.

من أهم النتائج لهذه الأزمات الكبيرة غياب الثقة في الأسواق، ونعلم جميعا كم هو سهل خسارة الثقة وكم هو صعب اعادة بنائها سريعا.  قال "كونفوشيوس" أن هنالك ثلاث شروط للحكومة الفاعلة وهي توافر السلاح لضبط الأمن والدفاع، توافر الغذاء للجميع ووجود الثقة فيما بين المواطنين وبين المواطن والحكومة.  أهمية الثقة أنها تربط واقع الأسواق بمستقبلها عبر مؤشرات عدة منها الفوائد.  لا ثقة يؤدي الى لا نمو ولا تطور وزيادة في الفقر.  مع أن المقارنة بين الكارثتين واضحة، الا أن العالم تعلم من أزمة الثلاثينات ليخفف حجم الخسائر التي كانت ستحدثه أزمة 2008.  تم تجنب الأقصى والأكثر تكلفة بذكاء، علما أنه كان من المستحيل تجنبها بالكامل.  تجنب الأسواء ماليا لم يكن من دون تكلفة اجتماعية أي ارتفاع نسب البطالة الى حدود لا تتحملها المجتمعات الحديثة.

الخوف من تكرار أزمة الثلاثينات دفع بالمسؤولين النقديين الى دعم مصرف "ليمان برازرز" بسرعة خوفا من انهيار النظام العالمي المالي كليا.  تم ضخ المصارف بالمال للحفاظ عليها وحماية النظام.  كما قامت الحكومات بدأ من الولايات المتحدة بضخ الانفاق في السوق مما ساهم في زيادة الدين العام الى حدود غير مسبوقة.  ارتفاع الدين العام يكون سيئا اذا ذهبت الأموال للهدر، لكنها تكون مقبولة اذا هدفت الى الانقاذ.  لم تستمر الحكومات بسياساتها السخية طويلا وعادت بسرعة الى التقشف الممارس قبل الأزمة، أي كان هنالك بعض التسرع في العودة الى السياسات العادية الطبيعية قبل الحلول النهائية والأكيدة.  لذا لم يعد النمو بسرعة الى سابق عهده وكان الانتعاش بطيئا وضعيفا.  كان من المفروض على السلطات العامة وخاصة الأميركية القيام بسرعة بما يلي:

            أولا:  ضخ الأموال بكميات أكبر وبسرعة في الأسواق وليس انتظار المؤشرات مما ساهم في تكبير المشكلة وجعل الحلول مكلفة أكثر.

            ثانيا:  التمييز بين أوضاع المصارف المختلفة، أي هنالك مصارف تحتاج أكثر من غيرها الى التدخل المالي وربما التقني.  لو فعلت السلطات الرسمية ذلك، لعادت الثقة الى المؤسسات بسرعة أكبر ولعاد النظام المالي الى العمل كالسابق.

            ثالثا:  زيادة الانفاق المالي عبر الموازنات لانقاذ الوضع العام.  كانت سياسات التقشف في ذلك الوقت مسيطرة على أذهان المسؤولين، وبالتالي كان الجو السائد ضد الدعم المالي للأسواق.  تأخر المسؤولون في توفير المال الى المصارف وشركات التأمين وجميع المؤسسات المالية المتخصصة.

            رابعا:  تأثرت البطالة سلبا وكان من المفروض على السلطات المالية أن تكون سخية أكثر بكثير تجاه العاطلين عن المال، أي تأمين المال والمساعدات لفترة أطول.  عدم القيام بذلك جعل الأوجاع تكبر والفقر يرتفع والغضب على المسؤولين يزداد.

خامسا:  جميع الدول بما فيها المتقدمة تحتاج الى اصلاح في القوانين والمؤسسات.  وفي جميعها قوى الواقع لا ترغب في التغيير والتحديث لأنها مستفيدة من الواقع القائم.  لا تتم الاصلاحات عموما الا بعد الكارثة حيث الخيارات تغيب ويصبح تطبيق الجديد ضروري ومكلف وربما متأخر أحيانا.  الخوف من الاصلاحات يضر ويسيء الى المستقبل ويرفع التكلفة ويضر بالشعب.

أخيرا ما يجب التنبه اليه هو "الثنائي الخطر" أي توافر في نفس الوقت أموال ادخارية كبيرة تفتش عن من يقترضها ووجود رغبة مصرفية كبيرة للاقراض.  هذا الثنائي القابل للانفجار يسيء دائما الى الاستقرار.  ما حدث أضعف الثقة في النظام الليبيرالي العالمي الذي أنتج أزمات بفضل سؤ الممارسة وغياب الضوابط.  هنالك شك عالمي اليوم في امكان النظام الرأسمالي في انتاج نمو صحي مستمر خاصة في الدول الفقيرة.  ما المطلوب؟  بعض الضوابط:

أولا:  يحتاج النمو الى تطبيق سياسات ترفع الانتاجية.  تخفيف التكلفة لا يكفي للنهوض بل يجب تصحيح الأخطاء السابقة المعروفة.

ثانيا:  تشجيع العلاقات التجارية بين الدول أي العودة مع بايدن الى ما قبل نظريات ترامب المنغلقة التي أضرت بالتجارة العالمية وبتجارة الولايات المتحدة تحديدا كما تشير اليه الاحصائيات.  التجارة الدولية تعني النمو وبالتالي تحسين أوضاع الجميع.

ثالثا:  العودة الى أسعار الصرف الحرة التي تستوعب الخضات وتساعد على تحقيق الاستقرار الضروري للنمو.  استعمال سعر الصرف كسياسة لتحسين الميزان التجاري مضر ويدفع الآخرين الى استعمال الاسلوب نفسه وبالتالي ادخال الدول في حروب تجارية نقدية مضرة.  ما يحكى عن تثبيت أسعار صرف وتنفيذ مجالس نقد هي عمليات مسيئة جدا للنمو وتساهم في ادخال التعثر والفوضى الى العلاقات بين الدول.

 

 

 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment