الدكتور نسيم الخوري
أبشّرك يا أمّي بثلاثة بشائر:
1- صار لدينا دعايات على الإذاعات والتلفزيونات للسندويشات في لبنان "الميديا ستيت" وبقلب كل سندويش نصف كيلو لحمة تقريباً كما قالوا، وبطاطا وخردل وخضرة "بس" بـ ١٨ الف ليرة، يا بلاش! يعني صرنا شعب عم ناكل بعضنا البعض....ونشبع وقاعدين ناطرين الثورة والشحاذة. ما في أحلى من هيك.
2- كان اليوم بزيارتنا وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان ترك اليوم راجع على باريس. تذكرتِ باريس مربط خيلنا؟ اجتمع في قصر الصنوبر بممثلي الثورة في لبنان وخرجوا معظمهم بعد اللقاء بمواكب سيارات ضخمة سوداء معتّمة ولامعة ما قدرنا نعرف الفرنساوي من اللبناني. قربت الثورة المضادة يا أمّي وقرايبنا والبشر تعبوا وهم يعدوّن أعداد الثوار بالسين وبالثاء. كل يوم في سورة. وعلى سيرة العتمة:
3- طلع وزير الكهرباء البارحة وهو من بيت الغجر أو الغجري ما لحّقت أكنتب إسمو، وطمأننا أننا عائدون إلى العتمة الشاملة نعم عائدون نركّب بطّاريات بكل غرفة ونشحنها وبتصير اللمبات البيضاء معلّقة فوق كل باب. كان سعيداً هذا الغجري ويضحك عندما بشّرنا. بتتذكّري العتمة قبل ما تتطلع روحك ع السماء. لبنان صار قاعد بعتمة القبر لا جسداً له ولا روح.
نعم يا أمي. اللسان يدور مثل الدواليب في بلادنا وهو أقوى من الأرض والشرف والتغيير والثورة. ألسنة ترغي في حقول اللغات والسفارات وأمام المبعوثين في العالم لكنّها ألسنة بحاجةٍ لمن يبريها لتُصقل بشكل اليراع أعني القلم الحادّ أو السبابة أو السيف أو البندقية كي يفهم الناس ويهبّون في وجوه الهولاكيين.الحبر مجار لمياه الحريّة في الحضارة، لكن الكتابة صارت تافهة في ولادات النصوص اللبنانية وتواريخها ونظافتها وثوراتها وعشقها للقشور والمستنقعات الفاسدة قولاً وكتابةً وممارسة لا تنسف المتسلّطين منذ ما قبل الميلاد،. نحن نتمتم ونهدل مثل ذكور الحمام الجائع في الطرقات وفوق الشرفات وكأنّنا أقرب إلى حضارة الصوت غير المفهوم. ندوخ ونتقيّأ ونهذي فور صعودنا إلى منبر أو شاشة بانتظار "البونس" .
في البدء كانت الكلمة، قال المسيح (السلام على إسمو دعيه يقرأمن فلسطين ...إلى لبنان).
أجابت: هو يذرف دموعه اليوم وكلّ يوم على لبنان واللبنانيين وسياسييهم. بلا القراءة إذن. ماذا تقولين؟ فاضت دموع المسيح بنهر الأردن الذي غُطّس وتعمّد فيه حزناً على بؤس أنسبائه وممثّليه وأبنائه والسلاطين باسمه.
كان يودّ القول: في البدء كان الإنسان المُعدم الفقير الهائم فوق وجه لبنان، لكنه رأى الكلمة تتجرجر فوق ألسنتهم خلفه في أرض النبؤآت والمعجزات خائبةً مذلولةً فوق بيادر الأبد...فكان لا بدّ له من تهديم الهياكل فوق رؤوسهم بالسوط والصوت. انتهى الإيمان بلبنان.
لقد فلتت كلمته، وطارت حرّة، وهي تُباع في الزوايا والكنائس ثياباً مزركشة وقبباً مذهبة وسلطات منهكة، وماذا بوسع المسيح أن يفعل إذا ما التهمنا هولاكو وأولاده وأحفاده وأحفاد أحفاده، والناس يرعون مثل قطعان لبنان الأخضر الجميل ليبقَ لبنان المتعفّن منذ الدهور.
وتأتيني المواعظ من أمّي في قبرها السماوي:
"لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك" أو "المرء بأصغرية قلبه ولسانه".
تفلت المواعظ ويبقى اللسان حاملاً بدايات الخلق ونهاياتها.
لكِ الحق ليتني/ليتنا نلحق بكِ أفضل من أن أنقل ألوف المشاهد الإنحطاطية التي تتكدّس أمامي في لبنان. كم غاب بشر بسبب ألسنتهم وقد اختلّت موازينها؟ وكم انزلق رجال ونساء فوق ريق ألسنتهم نحو حبال المشانق؟ وما زال هولاكو مذ غادرت هو الحاكم بأمر السماء ومعه أولاده الكثر.












05/12/2021 - 12:53 PM





Comments