المحامي فؤاد الأسمر
بعد فترة من العز والمجد والبحبوحة شهدها لبنان بعهد الرئيس كميل شمعون، ومن أجل الوصول الى سدة رئاسة الجمهورية، تعامل اللواء فؤاد شهاب مع عبد الناصر، في خمسينيات القرن الماضي، وأجّج النعرات الطائفية وغطّى دخول آلاف المسلّحين من سوريا وفلسطين الى لبنان، وساهم بإشعال فتنة العام ١٩٥٨ مع ما خلّفته من ندوب في الجسم اللبناني الحساس، وكان له ما أراد.
من أجل الانتخابات الرئاسية في العام ١٩٧٠، عمد النهج وأركانه في العام ١٩٦٩ الى رشوة ياسر عرفات من خلال اتفاق القاهرة الذي سلّح الفلسطينيين وأوصل البلاد الى حرب العام ١٩٧٥ التي ما نزال ندفع، الى يومنا هذا، فاتورتها غالياً من الدم والموت والدمار والتهجير.
من أجل كرسي الرئاسة في العام ١٩٨٢، تقاتل المسيحيون، مع بعضهم البعض، فكانت المذابح من مجزرة أهدن الى الصفرا الى الاصطدام بالجيش اللبناني، فقط وفقط من أجل كرسي الجمهورية.
من أجل التمديد له، عرقل الشيخ أمين الجميل الانتخابات الرئاسية في العام ١٩٨٨، فتحالف ضده المتربصون بالكرسي، وبعد اقصائه نشبت الحروب والصدامات والمجازر في ما بينهم، ولم تنته الا بتطبيق اتفاق الطائف الذي كرّس جملة آثار اهمها الاحتلال السوري واغراق لبنان بمديونية خطيرة مهّدت لوضع لبنان تحت القبضة الدولية.
وتسديداً لثمن الرئاسة والتجديد، وقّع الرئيس الياس الهراوي مرسوم تجنيس مئات آلاف الفلسطينيين وشارك بارتكاب مجزرة بحق الهوية والكيان اللبناني.
من أجل الكرسي والتمديد، تنازل العماد اميل لحود عن مواقع حسّاسة للمسيحيين في السلطة وسلّم البلد لرموز النظام الأمني البوليسي، وعلى رأسهم جميل السيد، فكانت الاغتيالات والانفجارات والانتقامات الدموية.
من أجل كرسي الرئاسة الاولى، عطّل المسيحيون، ومن خلفهم معسكراتهم المتناحرة، الانتخابات الرئاسية في العام ٢٠٠٧، ولم تتحقق هذه الانتخابات الا من خلال مؤتمر الدوحة الذي أوّجد تسوية غير مكتوبة بين رئيسين، رئيس مُعلَن مقيّد ورئيس ظل يحكم، وقد أفْقَدَ الصراع بين الرئيسين المارونيين، خلال فترة حكم العماد سليمان، ما تبقى من هيبة الرئاسة.
وفي العام ٢٠١٤ عطّل المسيحيون الانتخابات الرئاسية لمدة سنتين ونصف، وعطّلوا البلد بأمه وأبيه، ولم يصل الرئيس الماروني الى كرسي الرئاسة الا بفعل تسوية آثمة مفادها : "السلاح مقابل الفساد"، تلك التسوية التي استجرّت الحصار الدولي على لبنان مقابل انحلال اخلاقي مريع لدى الفئة الحاكمة التي نهبت البلاد واستباحت مقدراته وأوقعت اللبنانيين بالذل والجوع والعوز.
واليوم، يتابع الزعماء الموارنة تناحرهم تمهيداً لانتخابات العام ٢٠٢٢، يجمعهم قاسم واحد هو عجزهم المطلق عن اجتراح اي حل او حتى السعي لأي مخرج للوضع المشين المهترئ، لا يلوون الا على انتظار تسوية من الخارج "يبازرونها" باسم "حقوق المسيحيين" على بيع آخر موجودات تفليستهم.
فأي طائف جديد ينتظرنا وأية تسوية ستكون ثمناً لكرسي جوفاء باتت رميماً بدلاً من موقع؟
وماذا بقي من هذه التفليسة المسماة "حقوق المسيحيين"؟
بئس موقع دمرته صراعات الموارنة الاستئثارية البغيضة.
بئس موقع دمرنا الوجود والتاريخ والقيّم من أجله.
بئس هذا الزائل عندما نلغي السرمدي لأجله.
بئس كرسي فرطّنا بالانسان وبالكرامة وبالحضور والدور من أجله.
ماذا تنفع الكرسي عندما نخسر لبنان؟
ماذا تنفع الكرسي عندما نخسر الكرامة والشرف والهيبة والمكانة؟
ماذا تنفع الكرسي بظل خوف الحاكم من غضب شعبه المكلوم الجائع؟
ماذا تنفع الكرسي ازاء غضب الرب عليها ولعنة التاريخ ترذلها؟
الكرسي ليست قمة يتسلقها الأقزام بالرياء والكذب والخداع والتذلل والانبطاح والقتل وتصفية المنافسين!
الكرسي ليست سبيلاً لصغار النفوس الى تكديس الثروات والاختباء وراء مبررات الفشل!
الكرسي ليست مزرعة طائفية لزعيم يؤجج من خلالها العصبيات ويزكي النزاعات للمحافظة على مكاسبه الأنانية الآثمة!
الكرسي مسؤولية والتزام تنحني أمام عملاق يشرّفها ويرفعها الى مصافه!
الكرسي عنوان للكبار في النفوس وفي العمل الجبار والعطاء السخي.
الكرسي ساحة للبناء والتقدم والازدهار.
كرسي الرئاسة وسام يستحقه الشرفاء وفقط الشرفاء.
يقول ونستون تشرشل عن الفرق بين السياسي ورجل الدولة هو " ان السياسي يفكر بالانتخابات المقبلة في حين ان رجل الدولة يفكر بالأجيال القادمة. رجل الدولة يمتلك رؤية واضحة الى أين يريد ايصال شعبه متبعاً بوصلة أخلاقية متأصّلة بالحق... غير أن هذه البوصلة قد تبعده عن كرسي الرئاسة، وللأسف!"












05/01/2021 - 20:07 PM





Comments