تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

اخبار عربية

جربة، التونسية – بين سوق عقارية مفتوحة وشائعة «الاستيطان»

الوثائق: ماذا تثبت، وماذا لا تثبت؟

تقرير اخباري من تونس….

 اعداد الصحفي ضياء الدين مرزقي

أثارت منشورات وتصريحات متداولة في تونس خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026 ادعاءات عن شراء أجانب، وبالأخص إسرائيليين، أراضٍ وعقارات في جزيرة جربة قرب معبد الغريبة. وذهبت بعض الروايات إلى الحديث عن «مئات العقارات» وعن مشروع «استيطاني» يهدف إلى تغيير النسيج السكاني والثقافي للجزيرة.

لكن فحص المصادر المنشورة لا يقود إلى النتيجة نفسها. فالمتاح حتى الآن يثبت وجود جدل سياسي وإعلامي واتهامات متبادلة، ولا يثبت وجود حملة شراء إسرائيلية منظمة أو انتقال ملكية موثقًا إلى مستثمرين إسرائيليين. الفارق بين الأمرين جوهري: فالادعاء السياسي أو منشور وسائل التواصل ليس بديلًا عن الرسم العقاري، أو عقد البيع النهائي، أو ترخيص الوالي، أو بيانات المالك المستفيد.

من أين بدأت الرواية؟

بحسب تقرير نشرته «القدس العربي» في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بدأ الناشط السياسي معز الحاج منصور تداول القضية، متحدثًا عن شراء «مئات العقارات» بأسماء أجانب من الجنسية الإسرائيلية، ومحذرًا من تغيير النسيج السكاني والثقافي في جربة. كما اتهم القائمين على معبد الغريبة بشراء أراضٍ قريبة من المعبد.

التقرير نفسه لم ينشر عقودًا أو أرقامًا من السجل العقاري أو قرارات صادرة عن السلطات تثبت هذه الاتهامات. وفي المقابل، نقل ردًا عن إيلي الطرابلس، نجل رئيس الطائفة اليهودية في جربة ورئيس جمعية معبد الغريبة، سخر فيه من الادعاء وأكد حقه كمواطن تونسي في التملك. كما نقل عن مدير وكالة عقارية تحذيره من شائعات تتحدث عن تبييض أموال ومعاملات مشبوهة، من دون أن يقدم التقرير بدوره ملفًا قضائيًا أو وثائق مالية تثبتها.

وتكشف هذه الوقائع أن أصل القضية المتاح إعلاميًا هو تصريحات ومخاوف ومطالبات بالتحقيق، لا قاعدة بيانات لصفقات محددة. وحتى التغطيات التي أعادت طرح الاتهامات أشارت إلى أن المزاعم عن حملة إسرائيلية منسقة بقيت بلا أرقام موثقة أو سجلات معاملات منشورة.

ماذا يسمح به القانون التونسي؟

تضع تونس قيودًا واضحة على تملك الأجانب. ويشير القانون عدد 5 لسنة 1964 المؤرخ في 12 مايو/أيار 1964 إلى نظام ملكية الأراضي الفلاحية في تونس، وهو النص الذي تستند إليه الجهات الرسمية والحقوقية في حصر ملكية الأراضي الفلاحية بالتونسيين. وتعرض المصادر القانونية التونسية القانون ضمن النصوص المنظمة لملكية الأراضي الفلاحية.

أما تملك الأجنبي لعقار مبني، مثل شقة أو فيلا، أو لأرض مهيأة للبناء ضمن المناطق العمرانية أو السياحية، فليس مساويًا لتملك أرض فلاحية. وتفيد الشروح القانونية المنشورة بأن العملية تخضع، من حيث الأصل، لترخيص مسبق من والي الجهة، مع استكمال الإجراءات المالية والعقارية ذات الصلة. كما تؤكد الشروح القانونية أن الأراضي الفلاحية لا يجوز للأجنبي شراؤها، بينما يمكن أن يكون اقتناء العقارات السكنية أو التجارية ممكنًا بعد موافقة السلطات المختصة.

وهنا تظهر نقطة مهمة في الجدل: إذا كانت الأرض المزعومة فلاحية، فإن السؤال القانوني الأول ليس «هل المشتري يهودي أم إسرائيلي؟»، بل: ما طبيعة الأرض؟ ومن هو المالك المسجل؟ وهل صدر ترخيص قانوني؟ وهل وقع البيع أصلًا أم أنه مجرد وعد بالبيع أو وساطة أو عقد غير نافذ؟ أما إذا كان العقار داخل منطقة عمرانية، فلابد من فحص الترخيص ومصدر الأموال والمالك الحقيقي، لا الاكتفاء بجنسية الشخص الظاهرة أو بانتمائه الديني.

اليهود في جربة ليسوا مرادفًا للإسرائيليين

تضم جربة مجتمعًا يهوديًا تونسيًا عريقًا، وتعد كنيس الغريبة أحد أبرز معالم الجزيرة الدينية والسياحية. وتشير المعطيات التاريخية المنشورة إلى أن عدد اليهود في تونس تراجع بشدة خلال العقود الماضية، مع بقاء مجتمع صغير داخل البلاد وارتباط ديني وثقافي بالجزيرة.

لكن الانتماء إلى الديانة اليهودية لا يساوي الجنسية الإسرائيلية، كما أن حمل الجنسية الإسرائيلية لا يثبت وحده امتلاك عقار في تونس. فالمواطن اليهودي التونسي يخضع، من حيث الملكية، لقواعد المواطن التونسي، بينما يخضع الأجنبي لإجراءات تملك الأجانب. لذلك فإن استعمال تعبير «اليهود يشترون جربة» يخلط بين مواطنين تونسيين وبين أجانب من جنسيات مختلفة، ويحوّل مسألة قانونية قابلة للتحقق إلى تعميم ديني قد يفضي إلى التحريض والتمييز.

كما أن زيارة إسرائيليين أو يهود من أصول تونسية إلى الغريبة خلال موسم الحج لا تثبت أي صفقة عقارية. وقد وثقت تقارير صحفية سابقة الجدل حول دخول إسرائيليين إلى تونس خلال الموسم، وأشارت إلى عدم وجود علاقات دبلوماسية بين تونس وإسرائيل وإلى ترتيبات دخول خاصة للحجاج في بعض السنوات. الزيارة السياحية أو الدينية واقعة مختلفة تمامًا عن تملك العقار، ولا يجوز استخدام الأولى دليلًا على الثانية.

أين الدليل العقاري؟

لكي تتحول الاتهامات إلى تحقيق صحفي قابل للنشر، يلزم توفير حد أدنى من الأدلة القابلة للفحص، من بينها:

  • أرقام الرسوم العقارية أو نسخ من عقود البيع النهائية بعد حجب البيانات الشخصية غير اللازمة.

  • أسماء الشركات المالكة، وسجلها التجاري، والمستفيد الحقيقي منها.

  • قرارات ترخيص صادرة عن والي مدنين أو الجهة المختصة، وتواريخها وموضوعاتها.

  • تحديد موقع العقارات وتصنيفها: سكني، سياحي، فلاحي، أو داخل منطقة محمية.

  • بيانات التحويلات المالية ومصدر الأموال، عند وجود شبهة غسل أموال، عبر الجهات القضائية والرقابية المختصة.

  • أحكام قضائية أو محاضر بحث رسمية تثبت وجود تحايل عبر أسماء مستعارة أو شركات واجهة.

ولا يكفي في هذا السياق نشر صور لبيوت أو إعلانات عقارية أو خرائط غير موقعة. كما لا يكفي القول إن سعرًا ما «يفوق قيمته الحقيقية» من دون تقييم مستقل يحدد السعر المرجعي ومقارنة صفقات مماثلة في المنطقة.

حتى الآن، لم تنشر المصادر التي راجعتها هذه الحزمة من الوثائق. ولم أجد في المصادر المتاحة بيانًا رسميًا يعلن ضبط شبكة تملك إسرائيلية أو إبطال صفقات محددة في جربة. كما لم أجد جدولًا حكوميًا يبين عدد العقارات التي اقتناها إسرائيليون في الجزيرة خلال السنوات الأخيرة. لذلك لا يصح تقديم رواية «الاستيطان العقاري» بوصفها حقيقة مثبتة.

لماذا انتشرت الرواية؟

تتقاطع في جربة عوامل تجعل الإشاعة قابلة للانتشار: حساسية العلاقة بين تونس وإسرائيل، الرمزية الدينية والتاريخية للغريبة، ارتفاع قيمة بعض العقارات السياحية، ضعف نشر البيانات العقارية للعموم، واستعمال عبارة «أجانب» أو «إسرائيليين» من دون تمييز بين الجنسية والملكية الفعلية.

كما أن غياب البيانات الرسمية لا يثبت صحة الاتهام ولا ينفيه. لكنه يحدد ما يجب أن تفعله الدولة: نشر المعطيات الإجمالية عن تراخيص تملك الأجانب في ولاية مدنين، توضيح عدد الطلبات المقبولة والمرفوضة، والتدقيق في المستفيدين الحقيقيين من الشركات المالكة، مع احترام حماية المعطيات الشخصية. الشفافية هنا ليست تنازلًا عن السيادة، بل وسيلة لحمايتها من الشائعات ومن التلاعب في آن واحد.

الخلاصة: التحقيق مطلوب، لكن الحكم لم يصدر

تثبت الوثائق المنشورة وجود جدل حقيقي ومطالبات سياسية ومدنية بالتحقيق في صفقات عقارية بجربة. وتثبت القواعد القانونية أن تملك الأجنبي ليس حرًا، وأن الأرض الفلاحية تخضع لحظر خاص، بينما تتطلب العقارات المبنية أو الأراضي المعدة للبناء تراخيص وإجراءات محددة.

لكنها لا تثبت، حتى تاريخ إعداد هذا المقال، أن إسرائيليين أو «يهودًا» اشتروا مئات العقارات في جربة ضمن خطة استيطانية منظمة. كما لا يجوز تحميل المجتمع اليهودي التونسي مسؤولية ادعاءات لم تثبت، ولا اعتبار كل يهودي إسرائيليًا، ولا كل زائر مالكًا، ولا كل شركة أجنبية واجهة غير قانونية.

الطريق المهني الوحيد هو فتح ملف رسمي قابل للتدقيق: عقارًا عقارًا، وشركةً شركةً، وترخيصًا ترخيصًا. فإذا كشفت الوثائق خروقات، وجب تطبيق القانون على أصحابها بصرف النظر عن الدين أو الجنسية. وإذا لم تكشفها، وجب مساءلة من حوّل الشائعة إلى اتهام جماعي يمس السلم الأهلي وسمعة جربة.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock