رسالة واشنطن إلى بغداد: حصر السلاح بيد الدولة او البلقنة
منذ 7 ساعات
0 4 دقائق
ادهم ابراهيم
لم يعد حصر السلاح بيد الدولة العراقية مجرد خلاف داخلي ، أو مسألة تتعلق بجدول زمني محدد ، بل دخل هذا الملف مرحلة أكثر خطورة بعد التصريح اللافت الذي أدلى به وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، عندما أكد أن واشنطن لا تشك في التزام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، لكنه شدد على ضرورة نزع سلاح الميليشيات لتفادي ما سماه «بلقنة العراق».
والبلقنة تعني، في الاستخدام السياسي، تفكك الدولة إلى كيانات متنافسة على أسس عرقية أو دينية أو طائفية، وهو تعبير ارتبط تاريخياً بما شهدته منطقة البلقان من صراعات وتفكك سياسي.
ومن هنا تكتسب كلمة روبيو أهميتها. فحين تصدر من وزير خارجية دولة كبرى، وفي هذا التوقيت بالذات، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد تعبير عابر. لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن الولايات المتحدة قررت تقسيم العراق؛ بل إن التصريح هذا يحذر من أن استمرار تعدد القوى المسلحة ومراكز القرار قد يقود إلى تفكك الدولة.
وهنا تكمن خطورة الرسالة.
لقد بدأ الخلل في بنية الدولة العراقية منذ السنوات الأولى للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين جرى التعامل مع العراقيين سياسياً باعتبارهم «مكونات» أكثر من كونهم مواطنين متساوين في دولة واحدة .
وقد جاءت المحاصصة الطائفية والقومية في ترسيخ هذا المفهوم، وزاد الخطر عندما تزامنت الانقسامات السياسية والاجتماعية مع تعدد مراكز القوة والسلاح حتى اصبح لكل حزب أو جماعة مركز نفوذ مستقل، فانعدم القرار الوطني الواحد.
الامر الذي حفز البعض من مختلف الطوائف والقوميات للمطالبة بتطبيق نظام الاقاليم ، نتيجة شعورهم بالحيف والتهميش وفشل النظام السياسي في إدارة الدولة.
ويرون أن الأقاليم قد تكون أفضل من استمرار نظام مركزي ضعيف تسيطر عليه الأحزاب والفصائل المسلحة. ولعل من المهم هنا عدم تحميل كلام روبيو أكثر مما يحتمل.
فالولايات المتحدة لم تقل إنها تريد تقسيم العراق، بل إن الموقف الأميركي المعلن يذهب في الاتجاه الآخر: دعم الحكومة العراقية في حصر السلاح بيد الدولة، تفكيك الميليشيات، منع الهجمات من الأراضي العراقية .
وفي المقابل فان الرسالة الموجهة إلى العراق واضحة: لا يمكن أن تكون هناك دولة ذات سيادة كاملة مع وجود قوى مسلحة موازية تستطيع أن تقرر متى تحارب، ومتى تفاوض ، ومتى تؤجل تسليم سلاحها. وهذا هو جوهر الأزمة
فالسؤال لم يعد: متى تسلّم الفصائل سلاحها؟ بل أصبح من يملك القرار العراقي.
وعلى القوى الحاكمة في العراق أن تدرك أن الولايات المتحدة، عندما تتعرض مصالحها للخطر، فإن سياستها لا تلتزم بمساندة نظام محدد أو طائفة معينة، بل تتحرك دائمًا وفقًا لـمبدأ حماية مصالحها الاستراتيجية والأمنية أولاً.
جاء تصريح روبيو بعد لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في نيويورك. وقد أثار اللقاء مع الزيدي، بعيداً عن الوفد العراقي المرافق، تساؤلات عديدة ، حيث يظهر ذلك عدم ثقة الولايات المتحدة بالوفد المرافق للزيدي .
وكان رئيس الوزراء الزيدي قد تعهد في وقت سابق بالعمل على حصر السلاح بيد الدولة، في 30 أيلول/سبتمبر. الاان الخطة قد ابعدت إلى حزيران/يونيو 2027. وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام خطة واقعية لتنفيذ القرار، أم أمام تأجيل للمشكلة المستعصية؟ حيث أظهرت تقارير حديثة أن بعض الفصائل المسلحة تقاوم عملية نزع السلاح، ولا يمكن قراءة هذا الملف بمعزل عن النفوذ الإيراني في العراق.
فعدداً من الفصائل المسلحة التي تواجه عملية نزع السلاح ترتبط بصورة وثيقة بإيران، الأمر الذي يجعل القضية العراقية جزءاً من صراع إقليمي أوسع بين واشنطن وطهران. لكن العراق لا يستطيع أن يبني دولته على أساس كونه ساحة للصراع بين الآخرين. ومع ذلك، لا يمكن تبرئة الولايات المتحدة من هذه الأزمة ، وكأنها نشأت من فراغ.
فالولايات المتحدة تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن التحولات التي حدثت بعد غزو العراق عام 2003، وما رافقها من انهيار مؤسسات الدولة، وحل الجيش، وتفكك المنظومة الأمنية، ثم صعود المحاصصة والطائفية والعنف والفصائل المسلحة.
وقد صنعت السنوات اللاحقة للغزو بيئة سياسية وأمنية سمحت بتنامي قوى واحزاب فاسدة لم تكن موجودة بهذه الصورة قبل عام 2003 ، وقد حولت الدولة إلى ساحة للمحاصصة والنفوذ، ولصراع طائفي غذته قوى داخلية وخارجية.
والمفارقة المؤلمة أن بعض من ينتقد الفساد وسوء الخدمات وانهيار التعليم والرعاية الصحية، يخشى في الوقت نفسه من سقوط النظام السياسي الذي أنتج هذه الأزمات، ويتعامل مع أي دعوة إلى إصلاح جذري باعتبارها تهديداً لنظام حكم يتبناه رغم مساوئه .
عندها يصبح العراق دولة فاشلة ، فاقدة للقرار نتيجة الاستقطابات والمحاصصة الطائفية والعرقية يصبح مصطلح «البلقنة» خطيراً.
فالبلقنة لا تبدأ بالضرورة بإعلان رسمي عن التقسيم الجغرافي، لكنها تبدأ بتعدد مصادر القرار ثم تقسيم النفوذ ثم حمل السلاح والتنازع حول الموارد فيصبح التقسيم الجغرافي مجرد نتيجة لاحقة.
من الناحية العملية، فإن تقسيم العراق لن يكون فيه مصلحة لأي طرف . حيث تنتقل آثاره إلى دول المنطقة كافة. فإنشاء كيانات متصارعة في العراق يمكن أن يفتح أبواباً جديدة للصراعات الداخلية في تركيا وإيران ودول الخليج، ويخلق نزاعات على النفط والمياه والحدود والمدن المختلطة والسكان. ورغم كل ذلك يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق حقيقي.
الطريق الأول هو استمرار الوضع الحالي: دولة ضعيفة، أحزاب قوية، وفصائل مسلحة، وتعدد في مراكز القرار. وهذا يعني استمرار الفساد والمحاصصة والصراع على النفوذ.
والطريق الثاني هو الانزلاق إلى صراع داخلي واسع بين القوى السياسية والمسلحة، بما قد يفتح الباب أمام تفكك الدولة أو قيام مناطق نفوذ متصارعة.
أما الطريق الثالث، وهو بناء دولة عراقية قوية، فيبدأ من قاعدة بسيطة وواضحة : السلاح والقرار للدولة ، والقانون فوق الجميع من دون تهميش ولا اقصاء . وهنا يجب التذكير بعدم فصل السلاح المنفلت عن قضية الفساد.
فحين تمتلك الأحزاب أو القوى السياسية أجنحة مسلحة، يصبح من الصعب محاسبتها. وحين يصبح السلاح وسيلة لحماية النفوذ السياسي والاقتصادي، يصبح الفساد أكثر قدرة على الاستمرار.
ولهذا فإن حصر السلاح بيد الدولة يجب أن يترافق مع معركة حقيقية ضد الفساد، وإصلاح القضاء، وتقوية المؤسسات الرقابية، وحماية المال العام، وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية على أسس مهنية وطنية .
في النهاية، لا يحتاج العراق إلى بلقنة جديدة، ولا إلى تقسيم جغرافي، ولا إلى دويلات طائفية أو قومية.
إنه يحتاج إلى دولة.
دولة تحمي المواطن لا الحزب . دولة تحمي الحدود لا النفوذ.
دولة تحاسب الفاسد أياً كان اسمه أو مذهبه أو انتماؤه.
دولة لا تسمح بوجود سلاح خارج مؤسساتها، ولا تسمح في الوقت نفسه بتدخل أجنبي يقرر عنها مستقبلها.
فالعراق عراق واحد. إنه أرض الأجداد، ومهد الحضارات، وبلد لا يستطيع أي حزب أو فصيل أو دولة خارجية أن تختزل تاريخه أو مستقبله.