تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

إيران ومفارقة الاعتراف بالقوة… قراءة فلسفية في الصراع على المكانة والنفوذ الإقليمي

الجزء الرابع والاخير

جمال دملج *

تتضح المفارقة المركزية في التجربة الإيرانية عندما نميز بين القدرة على فرض الحضور والقدرة على الحصول على الاعتراف. فقد نجحت إيران، خلال عقود، في بناء أدوات عسكرية وسياسية جعلتها طرفًا مؤثرًا في ملفات إقليمية عديدة. وأصبحت قضايا مثل أمن الخليج، ومستقبل العراق، والتوازنات في لبنان، والحرب في سوريا واليمن، والعلاقة مع إسرائيل، يصعب بحثها من دون أخذ الدور الإيراني في الحسبان.

لكن هذه المكانة الواقعية لا تعني أنّ دول المنطقة تقبل تلقائيًا حدود النفوذ الإيراني أو أساليبه. فهناك فرق بين أن تتفاوض دولة مع إيران لأنها لا تستطيع تجاهلها، وبين أن تقبل بتدخلها في خياراتها السيادية. وهناك فرق بين أن تعترف واشنطن بقدرة طهران على تعطيل مصالحها، وبين أن تعتبر سياساتها الإقليمية مشروعة أو مرغوبة.

يمكن للقوة أن تنتج أربعة آثار مختلفة. أولًا: الحضور، تجعل القوة الدولة مرئية في حسابات الآخرين، وتمنحها القدرة على التأثير في مسارات الأحداث. وثانيًا: الردع، ترفع كلفة مهاجمة الدولة أو تجاوز مصالحها، وتدفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم. وثالثًا: النفوذ التفاوضي، تمنح الدولة أوراقًا يمكن استخدامها للحصول على تنازلات أو ضمانات أو مقعد في المفاوضات. ورابعًا: الاعتراف بالمكانة. يتطلب هذا المستوى قبولًا أوسع بدور الدولة، وبقواعد تحكم سلوكها، وبحق الأطراف الأخرى في الأمن والسيادة.

ولا تنتج المستويات الثلاثة الأولى المستوى الرابع بصورة آلية. بل قد تؤدي المبالغة في استخدام أدوات القوة إلى نتائج معاكسة: توسع التحالفات المضادة، وزيادة الإنفاق العسكري، وتراجع الثقة، وارتفاع كلفة العقوبات والعزلة، وتزايد المخاوف من أن يكون النفوذ الإيراني مشروعًا مفتوحًا لا يعرف حدودًا.

ومن هنا يمكن فهم “مفارقة الاعتراف بالقوة” باعتبارها حالة تستطيع فيها الدولة أن تفرض على الآخرين الاعتراف بوجودها وقدرتها، لكنها لا تنجح بالقدر نفسه في إقناعهم بقبول الدور الذي تريد أن تؤديه.

إنّ الاعتراف القائم على الخوف يظل هشًا؛ لأنه يتغير بتغير موازين القوى. أما الاعتراف القائم على قواعد مشتركة ومصالح متبادلة، فيمتلك فرصًا أكبر للاستمرار حتى عندما تتبدل الحكومات أو تتراجع القدرات العسكرية.

وبذلك لا يكون السؤال: هل تمتلك إيران القوة؟ بل: ماذا تريد أن تحقق بهذه القوة؟ وهل تسعى إلى بناء موقع إقليمي معترف به ضمن نظام من الدول ذات السيادة، أم إلى تثبيت نفوذ يجعل الآخرين مضطرين إلى التكيف مع قراراتها؟

إنّ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين القوة بوصفها وسيلة، والقوة بوصفها غاية.

إيران بين الدولة والمجتمع – من يمثل من؟

من الأخطاء المنهجية والسياسية التعامل مع إيران باعتبارها كتلة واحدة متجانسة، أو الخلط بين الدولة والمجتمع والنظام السياسي. فإيران ليست نظامها السياسي وحده، وليست مؤسساتها العسكرية والأمنية فقط؛ إنها أيضًا مجتمع واسع ومتعدد الاتجاهات، وبلد ذو تاريخ وثقافة وهوية وطنية عميقة.

وقد تختلف تطلعات الإيرانيين بشأن موقع بلادهم في العالم عن أولويات المؤسسة الحاكمة أو بعض مراكز القرار فيها. فهناك من يرى أنّ قوة إيران ومكانتها ترتبطان بالاستقلال الوطني والقدرة على حماية السيادة، وهناك من يضع تحسين مستوى المعيشة، والفرص الاقتصادية، والانفتاح على العالم، في مقدمة الأولويات. وقد تجتمع هذه المطالب لدى الشخص نفسه من دون أن تكون متناقضة بالضرورة.

لذلك لا يصح افتراض أنّ المجتمع الإيراني يتبنى موقفًا واحدًا من السياسة الخارجية، كما لا يصح اعتبار كل نقد للنظام السياسي موقفًا معاديًا لإيران أو لهويتها الوطنية.

ومن المهم كذلك التمييز بين الاعتراف بحقوق إيران الوطنية، بما فيها حقها في الأمن والتنمية والاستقلال، وبين تأييد سياسات حكومتها أو قبول نفوذها الخارجي. فالدفاع عن سيادة إيران لا يقتضي تبرير كل قراراتها، مثلما أنّ الاعتراض على سياسات النظام لا يبرر استهداف المجتمع الإيراني أو إنكار حقوقه.

هذا التمييز ليس مجرد مسألة لغوية؛ إنه شرط لأي تصور واقعي لتسوية مستقبلية. فإذا اختُزلت إيران في نظامها، أصبحت كل خلافات السياسة الخارجية مواجهة وجودية معها. وإذا اختُزل النظام في المجتمع، أصبح نقد سياساته اعتداءً على شعب كامل. وكلا الاختزالين يعيق الوصول إلى مقاربة متوازنة.

إنّ المكانة الدولية المستقرة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على إظهار القوة في الخارج، بل أيضًا بقدرتها على توفير الاستقرار والازدهار والكرامة لمواطنيها. فالقوة التي لا تنعكس إيجابًا على المجتمع قد تتحول إلى عبء داخلي، حتى لو حققت مكاسب تكتيكية في ساحات خارجية.

ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن الاعتراف بإيران مرتبطًا أيضًا بسؤال آخر: أي صورة تريد إيران أن تقدمها عن نفسها للعالم؟ صورة دولة تمتلك تاريخًا وثقافة ومصالح وطنية وتطمح إلى علاقات متوازنة، أم صورة نظام يرى أنّ الحفاظ على نفوذه الخارجي شرط دائم لبقاء مكانته؟

ليس من الضروري أن يكون الاختيار بين الصورتين حتميًا. لكن تجاوزه يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والثورة، وبين الأمن والمجتمع، وبين النفوذ والمصلحة الوطنية.

نحو اعتراف متبادل – من فرض المكانة إلى بناء الثقة

إذا كانت مفارقة الاعتراف بالقوة تكمن في أنّ الإكراه لا يضمن القبول، فإنّ تجاوزها لا يتطلب من إيران التخلي عن مصالحها الأمنية أو عن حقها في الدفاع عن نفسها. بل يتطلب إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها هذه المصالح، وفي العلاقة بين أدوات القوة والنتائج السياسية المراد تحقيقها.

ويمكن تحديد عدد من المؤشرات العملية التي تسمح بقياس ما إذا كانت طهران تتجه نحو تحويل نفوذها إلى مكانة إقليمية مقبولة:

أولًا، احترام سيادة الدول: الانتقال من منطق التأثير في القرارات الداخلية للدول الأخرى إلى علاقات تقوم على الاعتراف باستقلال مؤسساتها وحقها في احتكار قرار الحرب والسلم.

ثانيًا، وضوح العلاقة مع القوى المسلحة الحليفة: وضع حدود سياسية وقانونية واضحة للدعم العسكري، بحيث لا يتحول إلى وسيلة لتقويض مؤسسات الدولة أو تجاوز سلطتها الشرعية.

ثالثًا، القبول بالأمن المتبادل: الاعتراف بأنّ أمن إيران لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة على حساب أمن دول الخليج أو العراق أو لبنان أو غيرها من دول المنطقة.

رابعًا، تغليب الدبلوماسية على التصعيد الدائم: استخدام القدرة العسكرية بوصفها عنصر ردع في خدمة تسوية سياسية، لا باعتبارها لغة دائمة للعلاقات الخارجية.

خامسًا، معالجة الملفات الخلافية ضمن قواعد قابلة للتحقق: سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي أو الصواريخ أو الملاحة في الخليج أو العلاقات مع الجماعات المسلحة، فإنّ الاتفاقات المستقرة تحتاج إلى التزامات واضحة وآليات مراقبة وتحقق متبادل.

سادسًا، الفصل بين الحقوق الوطنية والامتداد الأيديولوجي: تأكيد حق إيران في الاستقلال والتنمية والاحترام، من دون تحويل هذا الحق إلى مبرر لتجاوز الحدود السياسية للدول الأخرى.

ولا تقع المسؤولية على إيران وحدها. فالاعتراف المتبادل لا يمكن أن يكون عملية أحادية الجانب، ولا يمكن أن ينجح إذا استمرت الأطراف الأخرى في التعامل مع إيران باعتبارها كيانًا لا يمتلك حقوقًا أمنية مشروعة. كما أنّ التهديدات العسكرية والضربات والعقوبات غير المتناسبة قد تعزز داخل إيران الشعور بأنّ القوة هي الضمان الوحيد للبقاء.

لكن الاعتراف بمخاوف إيران لا يعني منحها حقًا في فرض مخاوفها على الآخرين. فالمعادلة المتوازنة تقتضي أن تقبل واشنطن وتل أبيب ودول المنطقة بحق إيران في الأمن والسيادة، وأن تقبل طهران في المقابل بالحقوق ذاتها لجيرانها.

إنّ بناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا يتطلب الانتقال من معادلة “من يستطيع فرض إرادته؟” إلى سؤال “كيف يمكن تنظيم المصالح المتعارضة من دون تحويلها إلى صراع دائم؟”.

وهذا لا يعني تجاهل موازين القوى، بل إدراك أنّ القوة لا تصبح مصدر استقرار إلا عندما تُحكم بقواعد، وأنّ الردع لا يتحول إلى سلام إلا عندما تتوافر قنوات اتصال وضمانات وتفاهمات متبادلة.

القوة التي تفرض الحضور لا تضمن الاعتراف

تكشف القراءة الفلسفية والسياسية للتجربة الإيرانية أنّ السعي إلى المكانة الإقليمية لا ينفصل عن اعتبارات الأمن والذاكرة التاريخية والهوية الثورية والرغبة في الاعتراف. فقد سعت الجمهورية الإسلامية، منذ عام 1979، إلى بناء موقع يتجاوز حدود الدولة التقليدية، مستخدمة مزيجًا من أدوات القوة العسكرية والدبلوماسية والتحالفات السياسية والعلاقات مع فاعلين مسلحين خارج حدودها.

وقد نجحت هذه الاستراتيجية في منح طهران حضورًا مؤثرًا في عدد من الملفات الإقليمية، وفي جعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في حسابات الخصوم والحلفاء على السواء. لكنها لم تضمن لها بالضرورة قبولًا مستقرًا بنفوذها أو اعترافًا متبادلًا بمكانتها.

ومن هنا تلتقي الدلالتان الفلسفيتان اللتان انطلقت منهما الدراسة. فأفلاطون يذكّرنا بأنّ القوة الاعتزازية، حين تنفصل عن العقل وضبط المصلحة، قد تتحول إلى اندفاعٍ يضر بالكل الذي يُفترض أن تحميه. وهيغل يبيّن أنّ الاعتراف الذي يُنتزع بالإكراه لا يساوي الاعتراف المتبادل بين ذواتٍ حرة ومستقلة.

ولا يعني ذلك أنّ السياسة الدولية يمكن تفسيرها بالكامل من خلال علم النفس الفلسفي، أو أنّ الدول تتصرف كأفراد يخوضون صراعًا نفسيًا واحدًا. بل إنّ قيمة المقاربتين تكمن في إضاءة جانب من العلاقة بين الرغبة في المكانة، واستخدام القوة، وحدود الإكراه.

إنّ المفارقة الإيرانية ليست في نقص القوة بقدر ما تكمن في صعوبة تحويل القوة إلى اعتراف مستقر. فقد تستطيع إيران أن تجعل خصومها يحسبون حسابها، وأن تفرض حضورها على طاولة المفاوضات، وأن ترفع كلفة تجاهل مصالحها. لكن ذلك لا يضمن أن ينظر إليها جيرانها بوصفها شريكًا موثوقًا، أو أن يقبلوا بنفوذها باعتباره جزءًا مشروعًا من نظام إقليمي متوازن.

وفي المقابل، لا يمكن بناء استقرار دائم في الشرق الأوسط من خلال إنكار دور إيران أو السعي إلى إخضاعها أو تجاهل مصالحها الوطنية. فالسلام لا يقوم على إلغاء أحد أطراف المعادلة، بل على تنظيم العلاقة بين أطرافها وفق قواعد تحترم السيادة والأمن المتبادل.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن تواجهه طهران في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت قادرة على الرد على أي تهديد “من دون حدود جغرافية”، بل ما إذا كانت قادرة على بناء علاقات تجعل الحاجة إلى ذلك الرد أقل إلحاحًا، وتجعل الاعتراف بمكانتها نتيجةً للثقة والاحترام، لا نتيجةً للخوف من القوة. فالقوة قد تفرض على الآخرين أن يعترفوا بأنك موجود، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعلهم يريدون وجودك إلى جانبهم… وهنا تكمن مفارقة الاعتراف بالقوة: أن تنجح في فرض الحضور، من دون أن تنجح بالضرورة في كسب القبول.

(انتهى)

*إعلامي وكاتب لبناني

تنويه من إدارة بيروت تايمز

الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.