تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

الأرض أولاً: بكركي أمام اختبار الصمود، والمتموّلون المسيحيون أمام مسؤولية التاريخ

مع تفاقم الانهيار الاقتصادي، تتحوّل الأرض في المناطق المسيحية من ملكية خاصة إلى قضية وجود وتوازن، ويعود السؤال: من يحمي الأرض ويحمي معها العيش المشترك؟

بيروت – تقرير اخباري من اعداد الاب الدكتور نبيل مونس

لا تحتاج مسألة بيع الأراضي في المناطق المسيحية إلى كثير من الشرح. يكفي أن يتجوّل المرء في قرى الجبل والشمال والساحل والبقاع الأوسط حتى يسمع القصة نفسها بصيغ مختلفة: عائلة أنهكها الانهيار فباعت قطعة ورثتها عن الأجداد، أو مغترب أثقلته الأعباء فتخلّى عن أرض لم يعد قادراً على استثمارها، أو وريث لا يرى في الأرض سوى رقم يُحلّ ضائقة. ما كان يُعدّ استثناءً صار في نظر كثيرين ظاهرة تستدعي الوقوف عندها، لأن الأرض في الوجدان اللبناني ليست سلعة فحسب، بل ذاكرة وانتماء وضمانة بقاء.

جذور المشكلة: اقتصاد منهار وأرض تُباع بالضرورة

من الإنصاف أولاً أن يُقال إن الدافع الأساسي ليس سياسياً في معظم الحالات، بل اقتصادي صرف. فقدان المدخرات، وتراجع قيمة العملة، وغياب فرص العمل في الأطراف، دفعت عائلات كثيرة إلى البيع بوصفه مخرجاً وحيداً.

وفي المقابل ضعفت الدولة في حماية الملكية وتنظيم السوق العقارية وتوفير بدائل التنمية. وقد نشر موقع «سريانيك برس» في كانون الثاني 2026 تقريراً عن حالات تزوير وانتهاكات جسيمة طاولت ممتلكات مسيحية في لبنان، ما يضيف بُعداً قانونياً إلى الأزمة: الخطر لا يأتي من البيع الطوعي وحده، بل من التلاعب بالسجلات والصفقات الملتبسة التي تحتاج إلى متابعة قضائية جدية.

ولا يُغفل أن الهاجس لدى الكنيسة والناس ليس عدائياً تجاه أي مكوّن لبناني. فالمقصود هو الحفاظ على التوازن الجغرافي والديموغرافي الذي قام عليه لبنان، وعلى حضور مسيحي فاعل في أرضه، لأن العيش المشترك لا يستقيم إذا اختلّ فيه أحد الأطراف أو فقد جذوره.

موقف بكركي: من التحذير إلى المطالبة بالفعل

لم يغب الموضوع عن خطاب البطريركية المارونية. فقد دعا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، خلال قداس الأحد في العاقورة، إلى عدم التسرّع في بيع الأراضي أو التفريط بها، قائلاً إنها «ذاكرة، وجذور، وهوية، ومستقبل»، ومحذّراً من أن ما يخسره اللبنانيون منها اليوم قد لا يتمكن أبناؤهم من استعادته غداً.

وليست هذه الدعوة جديدة في خطاب غبطته. ففي تصريح يعود إلى عام 2011 قال إن بيع الأرض يشبه بيع الوطن، وإن على الإنسان أن يستثمر أرضه لا أن يبيعها، وإن المشكلة هي مع كبار المالكين لا صغارهم. وفي مناسبة أخرى شدّد على ضرورة تجذّر المسيحيين في أرضهم، ودعا إلى الحفاظ على ملكية الأراضي مهما كانت صغيرة، معتبراً أن ضعف المسيحيين في أرضهم يُضعف حضورهم في الاغتراب أيضاً.

هذه المواقف تؤسس لخطاب واضح: الأرض عنوان صمود، والتمسك بها واجب وطني وروحي. غير أن النقد الذي يوجَّه إلى الخطاب، حتى من داخل البيئة الكنسية، يقول إن التحذير وحده لا يكفي حين يكون الجوع هو الذي يبيع الأرض. فمن يُطالَب بالتمسك بأرضه يحتاج إلى من يؤمّن له مقوّمات البقاء عليها.

ما الذي تستطيع البطريركية فعله؟

تملك بكركي رصيداً معنوياً ومؤسسياً يؤهلها لأن تكون المظلّة الجامعة للحل، ومن أبرز ما يُقترح عليها:

أولاً، إنشاء مرجعية متخصصة تتولى رصد حالات البيع والتوثيق القانوني، وتقدّم الاستشارة المجانية للمالكين الصغار قبل أي تصرف.

ثانياً، تفعيل الأوقاف الكنسية والأديرة في استثمار أراضيها وتأجيرها بعقود طويلة الأمد بدل بيعها، بما يحفظ الملكية ويدرّ دخلاً، وهو نهج اتبعته كنائس أخرى في المنطقة مع أراضي أوقافها.

ثالثاً، التنسيق مع الأبرشيات والرعايا والبلديات لإنشاء خريطة دقيقة للأراضي المهددة، وتحديد الأولويات بحسب الموقع والأهمية.

رابعاً، الضغط على الدولة لإقرار تشريعات وحوافز تحمي الملكية الصغيرة وتشجّع الزراعة والصناعات الريفية، فالحل في نهاية المطاف لا يكتمل من دون دولة.

دور المتمولين المسيحيين: من الاستثمار إلى الاستثمار في البقاء

هنا تبرز النقطة الأكثر حساسية وأهمية في هذا الملف. فالقادرون من المتمولين المسيحيين، في الداخل والاغتراب، يقفون أمام مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الكنيسة. والمقترح المتداول يقوم على فكرة أن يتحول التضامن من خطاب إلى أدوات مالية منظمة، ومنها:

  • صندوق شراء وحماية الأراضي: يموَّل من متموّلين ومؤسسات اغترابية، ويشتري الأراضي المعروضة للبيع بأسعار عادلة ويحتفظ بها لمصلحة أصحابها، أو يتيح لهم حق استعادتها لاحقاً.

  • صيغ الشراكة بدل البيع: تقوم على استثمار الأرض مع مالكها، فيحصل على دخل ثابت من دون أن يتخلى عن الملكية.

  • مشاريع تنموية في الأطراف: زراعة وسياحة بيئية وصناعات غذائية تُبقي الشباب في قراهم، لأن أفضل وسيلة لحماية الأرض هي أن تبقى مصدر رزق.

  • دعم قانوني ومالي لتسوية الإرث والتخمين العقاري: فكثير من عمليات البيع ينتج من خلافات إرث ومعاملات عقارية معقدة يمكن معالجتها.

ويشدّد أصحاب هذا الطرح على أن الهدف ليس منع أحد من التملك ولا التحريض على أي مكوّن لبناني، بل ضمان ألا يضطر المالك الضعيف إلى التخلي عن أرضه تحت الضغط. وبهذا المعنى فإن الحفاظ على الأرض يخدم العيش المشترك ولا يناقضه، لأن الشراكة تحتاج إلى أطراف متجذّرين ومطمئنين، لا إلى طرف مقتلَع.

محاذير لا بدّ منها

يحذّر مراقبون من أن يتحول هذا الملف إلى أداة تعبئة طائفية أو إلى شيطنة للآخر، فيخسر لبنان ما يحاول الحفاظ عليه. كما يلفتون إلى ضرورة الشفافية الكاملة في أي صندوق يُنشأ، وإلى إخضاعه لرقابة مستقلة، وإلى عدم تحويل الكنيسة طرفاً تجارياً في الصفقات. والتحدي الأكبر يبقى في الانتقال من المبادرات الفردية والبيانات الموسمية إلى مؤسسة دائمة بقواعد واضحة.

الأرض لا تُحمى بالعظات وحدها ولا بالأموال وحدها، بل بتكامل ثلاثة أدوار: كنيسة تؤمّن الغطاء والمرجعية، ومتمولون يوفّرون الأدوات المالية، ودولة تضع الإطار القانوني وتعيد الثقة بالاقتصاد. وفي غياب أي منها يبقى الحل منقوصاً. وبين من يرى أن الوقت ما زال متاحاً ومن يخشى أن يكون قد بدأ ينفد، تبقى الحقيقة أن كل قطعة أرض تُحفظ هي رسالة بقاء، وأن لبنان لا يحتمل أن يخسر ركناً من أركان تنوّعه.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock