تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

مقالات رأي

الصراع العسكري العربي والإسرائيلي والإيراني..

من يسيطر على الشرق الأوسط مستقبلًا؟

بقلم – د. محمد نصار

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية متفرقة، بل أصبح معركة استراتيجية مفتوحة لتحديد شكل النظام الإقليمي الجديد، وموازين القوى التي ستحكم المنطقة خلال العقود المقبلة. ففي ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، والطموحات الإقليمية الإيرانية، وتنامي القدرات الدفاعية والاقتصادية للدول العربية، يبرز السؤال الأهم: من يمتلك القدرة على فرض إرادته والسيطرة على مستقبل الشرق الأوسط؟

تمتلك إسرائيل تفوقًا نوعيًا في مجالات التكنولوجيا العسكرية والاستخبارات والطيران، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي والتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. لكن هذا التفوق لا يعني بالضرورة قدرتها على حسم جميع الصراعات أو فرض سيطرتها السياسية على المنطقة؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت، تظل محدودة عندما تصطدم بتعقيدات الجغرافيا والمقاومة الشعبية والتكلفة الاقتصادية والسياسية للحروب الطويلة.

في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية مختلفة، تقوم على تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعزيز قدراتها العسكرية المحلية، والاستفادة من علاقاتها مع قوى إقليمية حليفة. وتسعى طهران إلى توسيع نفوذها الاستراتيجي وحماية مصالحها، إلا أن هذا النهج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، ومخاطر المواجهة المباشرة، والتكلفة المتزايدة لأي صراع إقليمي واسع.

أما الدول العربية، فإنها تمتلك مقومات استراتيجية ضخمة، تشمل الثقل السكاني والجغرافي، والموارد الطبيعية، والقدرات المالية، والموقع الحيوي الذي يربط طرق التجارة والطاقة العالمية. كما تمتلك بعض الدول العربية جيوشًا كبيرة وقدرات دفاعية متطورة، إلى جانب علاقات دولية واسعة تمنحها مساحة للمناورة السياسية والاستراتيجية.

غير أن التحدي العربي الحقيقي لا يرتبط بنقص الإمكانات، بقدر ارتباطه بمدى القدرة على توحيد الرؤية والمصالح، وتعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي والتكنولوجي. فالقوة العربية لن تتحول إلى نفوذ إقليمي حاسم ما دامت المصالح الوطنية تعمل بمعزل عن استراتيجية مشتركة تحمي الأمن القومي العربي وتمنع فرض الإرادات الخارجية.

وتبرز مصر باعتبارها إحدى ركائز التوازن الاستراتيجي في المنطقة، بفضل موقعها الجغرافي، وثقلها السياسي والعسكري، ودورها التاريخي في القضية الفلسطينية، فضلًا عن أهمية أمن البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط في حسابات الأمن الإقليمي والدولي. كما تمثل المملكة العربية السعودية بثقلها الاقتصادي ومكانتها الإقليمية، ودول الخليج بما تمتلكه من موارد واستثمارات وقدرات تكنولوجية، عناصر مؤثرة في رسم مستقبل المنطقة.

لكن السيطرة على الشرق الأوسط لن تتحدد بالدبابات والطائرات والصواريخ وحدها؛ فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية، تدور حول الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والمائي. والدولة التي تستطيع بناء اقتصاد قوي، وتطوير صناعتها الدفاعية، وتأمين احتياجاتها الأساسية، والاستثمار في الإنسان، ستكون أقدر على حماية مصالحها من دولة تعتمد على السلاح وحده.

وتبقى الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى عوامل مؤثرة في موازين القوة، سواء من خلال التحالفات العسكرية أو تجارة السلاح أو الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية. ولذلك فإن أي تصور لمستقبل المنطقة لا يمكن أن يتجاهل التنافس الدولي، أو أهمية العلاقات مع القوى الكبرى، أو محاولات بعض الأطراف توظيف الصراعات الإقليمية لخدمة مصالحها.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل الشرق الأوسط: الأول، استمرار التنافس العسكري والاستراتيجي بين إسرائيل وإيران، بما يحمله من مخاطر التصعيد والاستنزاف. والثاني، اتساع دائرة المواجهات لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى، وهو سيناريو قد يهدد أمن الطاقة والتجارة والاستقرار الاقتصادي. أما الثالث، فيتمثل في بناء توازن إقليمي جديد يقوم على الردع المتبادل، والتفاهمات السياسية، واحترام سيادة الدول، ومعالجة جذور الصراعات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وفي جميع هذه المسارات، لا يمكن الجزم بأن طرفًا واحدًا سيتمكن من السيطرة الكاملة على الشرق الأوسط؛ فالمنطقة شديدة التعقيد، وموازين القوة فيها متغيرة، والانتصار العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية على المدى الطويل.

إن مستقبل الشرق الأوسط لن تحسمه القوة العسكرية وحدها، بل ستصنعه القدرة على الجمع بين السلاح والاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية. وإذا أرادت الدول العربية أن تكون شريكًا رئيسيًا في صياغة النظام الإقليمي القادم، فعليها الانتقال من مرحلة امتلاك الإمكانات إلى مرحلة توظيفها ضمن رؤية استراتيجية مشتركة، تجعل الأمن العربي مسؤولية جماعية، والتنمية أساسًا للقوة، والاستقرار هدفًا لا يقل أهمية عن الردع العسكري.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من يمتلك السلاح الأقوى؟ بل: من يستطيع بناء الدولة الأقوى، وتأمين مصالح شعبه، وفرض احترام سيادته، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا لأجياله القادمة؟

هنا تحديدًا ستتحدد ملامح الشرق الأوسط الجديد.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock