تخطي إلى المحتوى الرئيسي
32,420 مشاهدة
د. سنية الحسيني
تأتي الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في 27 تشرين الأول الجاري، الأولى بعد أحداث السابع من أكتوبر قبل ثلاثة أعوام وما تبعها، وسط حالة استقطاب وتنافس سياسي محتدم بين التيارات المختلفة. وتترجم القضايا الجدلية بين الشرائح متباينة التوجهات، والمفاجآت المتتابعة في اللحظات الأخيرة، ونتائج استطلاعات الرأي في إسرائيل حالة مشهد سياسي معقد. ورغم تراجع مكانة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو وحزبه «الليكود» في هذه الانتخابات؟
إلا أن مكانة اليمين لم تتراجع. وقد يؤدي التغيير، وفق السيناريوهات المتوقعة لنتائج هذه الانتخابات، إلى خفض التصعيد في الأرض المحتلة، لكنه لن يضمن تبدلاً جوهرياً في سياسة الاحتلال عموماً تجاه الفلسطينيين. وقد تساعد الأصوات الفلسطينية داخل إسرائيل في هذه الانتخابات على إضعاف موقف نتنياهو الانتخابي وحزبه وائتلافه الحاكم الحالي، كما قد يساعد عدد المقاعد التي ستحصدها القوائم الفلسطينية فيها من فرص التيار المنافس لنتنياهو على تشكيل الحكومة، وإن بقي دورها محدوداً جداً في رسم سياساتها وتوجيه مخططاتها حالياً.
قبل أسبوع فقط من الانتخابات الإسرائيلية، تعجز استطلاعات الرأي الإسرائيلية عن الجزم بهوية الحزب الحاكم أو حتى الائتلاف الحاكم المتوقع، في ظل تذبذب النتائج المتقاربة، وبراغماتية الأحزاب المتنافسة عندما يتعلق الأمر بتشكيل الحكومة. يأتي ذلك على الرغم من التباينات الكبيرة في مواقف المتنافسين المركزين حول مسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاقات الأمنية، والخلاف حول تجنيد اليهود المتدينين، وارتفاع تكاليف المعيشة وعنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وجاء دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس وزراء إسرائيل في الأيام الأخيرة قبل الانتخابات في موقف غير معهود من قبل الولايات المتحدة ومنتقد يوحي بتدخل خارجي في صلب قضايا محلية. ورغم ذلك، قد لا يؤثر ذلك كثيراً على أصوات المترددين في إسرائيل، فترامب لا يجذب ثقة الإسرائيليين كثيراً. كما يصب انسحاب بيني غانتس زعيم حزب «أزرق أبيض» المتأخر من المنافسة الانتخابية في مصلحة التيار المنافس لنتنياهو وتوحيد أصواتهم.
في تكرار لمشهد انتخابي سابق، تبدو معالم الخارطة الانتخابية منافسة بين معسكر يقوده نتنياهو وآخر ينشد تغيير عهده. وتتراجع مكانة نتنياهو كرئيس للوزراء في استطلاعات الرأي، كنتائج تعكس عدم رضا الشارع عن سياسته الحكومية، لصالح غادي آيزنكوت بشكل رئيس، بمتوسط فارق يصل إلى تسع نقاط مئوية. ويتنازع بتذبذب حزبا «الليكود» و«ياشار»، بقيادة نتنياهو وآيزنكوت على التوالي، على صدارة المشهد الحزبي في استطلاعات الرأي، بفارق بسيط. كما يحصد معسكر التغيير الذي يقوده آيزنكوت، ويضم، بالإضافة لحزب «ياشار»، كلا من قائمة «معاً» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد، و«إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيغدور ليبرمان، وحزب «الديمقراطيين» بقيادة يائير غولان، نتائج أو مقاعد متقاربة جداً مع معسكر نتنياهو اليميني، وفق استطلاعات الرأي، لكنها لا تمكن أي من المعسكرين وفق المعادلة الحالية من تشكيل الحكومة.
ويكلف الرئيس الإسرائيلي حسب الأصول الحزب الأقدر على تشكيل الحكومة، بصرف النظر عن عامل تصدره المشهد الحزبي، ما يرجح كفة معسكر التغيير بقيادة آيزنكوت لتشكيل الحكومة في ظل دعم الأحزاب الفلسطينية في إسرائيل لمعسكره في هذه الانتخابات، حتى وإن لم تشارك في الحكومة القادمة.
يتحمل نتنياهو وحزبه الليكود المسؤولية المباشرة عن تراجع المكانة الانتخابية لمعسكره اليميني، إلا أن نتائج استطلاعات الرأي الانتخابية تكشف أن ذلك التراجع لا يتعلق بتراجع مكانة اليمين سياسياً في المجتمع الإسرائيلي، بل قد تدعمها. يتراجع عدد مقاعد حزب «الليكود» في استطلاعات الرأي الحالية بحوالي عشرة مقاعد مقارنة بنتائج الانتخابات السابقة، بينما تحافظ الأحزاب اليمينية الدينية والمتطرفة على ثقلها الانتخابي تقريباً، ما يفسر أن ذلك التراجع في مكانة المعسكر الانتخابية يعود لتراجع مكانة «الليكود»،
وبحدود متقاربة لتلك المقاعد التي خسرها حزب نتنياهو. في استطلاعات الرأي الحالية، لا يزال اليمين في إسرائيل محافظاً على ثقله الانتخابي. فعلى الرغم من خسارة حزب «شاس» المتدين لعدد قليل من المقاعد، بسبب موقفه من تجنيد المتدينين، إلا أن عدداً من أصوات الشباب التي يخسرها الحزب تذهب لتيارات يمينية أشد تطرفا، وشريكة معه في الائتلاف. كما أن حزب «يهدوت هتوراه» المتدين يحافظ على مكانته الانتخابية تقريباً. ويرتفع تمثيل حزب «القوة اليهودية» بزعامة إيتمار بن غفير، بينما تحافظ قائمة «الصهيونية الدينية–زهوت» بقيادة بتسلئيل سموتريتش على مكانتها تقريباً.
تتقاطع هذه المؤشرات مع تقرير لرويترز نشر مؤخراً، يشير إلى تنامي تأييد بن غفير بين الشباب. واعتبر استطلاع للجامعة العبرية أن حوالي ثلث مؤيدي حزب بن غفير سيصوّتون للمرة الأولى في الانتخابات المقبلة. كما تدعم استطلاعات الرأي الحالية عدم تحسن مكانة اليسار في الانتخابات القادمة. ويتوقع أن يحصد اليسار الصهيوني ممثلاً بحزب «الديمقراطيين»، الذي يضم حزبي «العمل» و«ميرتس»، حوالي تسعة مقاعد، مقارنةً بأربعة مقاعد لحزب «العمل» في الكنيست الحالي. إلا أن هذه الزيادة لا تعكس بالضرورة تحوّلاً مجتمعياً نحو اليسار، إذ يمكن تفسير ذلك بتوحيد الحزبين وتفادي تكرار فقدان التمثيل البرلماني لأصوات «ميرتس»، الذي أخفق في تجاوز نسبة الحسم في انتخابات العام 2022، والبالغة 3.25%، والتي تترجم تقريباً بأربعة مقاعد.
ورغم ترجيح وصول معسكر آيزنكوت لصدارة المشهد الانتخابي، والذي يتفق أقطابه على استبدال نتنياهو، إلا أن تحديات الصمود السياسي تبقى حاضرة في ظل تباين توجهاتهم واتفاقهم على برنامج سياسي موحّد. يميل آيزنكوت لتيار الوسط، وهو ذو خلفية عسكرية، بينما ترجع توجهات بينيت إلى اليمين القومي، ذي الجذور الدينية الاستيطانية.
ويمثل لابيد شريك بينيت في التحالف تيار الوسط الليبرالي العلماني، في حين يمثل ليبرمان يميناً قومياً علمانياً متشدداً. وينتمي غولان لليسار الصهيوني الليبرالي. وتجاه القضية الفلسطينية، يميل آيزنكوت وبينيت إلى اليمين في هذه المسألة، فيجمع الأول بين رفض حل الدولتين بعد هجوم السابع من أكتوبر وانتقاد مشروع «إي ١» الاستيطاني وعنف المستوطنين، ويرفض الثاني صراحة إقامة دولة فلسطينية. وبينما يؤيد لابيد حل الدولتين، ويدعو غولان لكبح عنف المستوطنين، والسعي إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية، يدعو ليبرمان لإلغاء أوسلو وتفكيك السلطة.
إلا أن نجاح هذا السيناريو لا يعني بالنسبة للفلسطينيين تغير مسار أهداف إسرائيل تجاه قضيتهم، لكن على الأرجح أن ينتج ضبط التصعيد المستمر منذ سنوات ضد الفلسطينيين. شهدت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، في عهد حكومة نتنياهو الحالية تصعيداً حاداً في القتل والتوسع الاستيطاني؛ إذ ارتفع المتوسط السنوي للشهداء الفلسطينيين برصاص القوات الإسرائيلية والمستوطنين في عهدها إلى حوالي خمسة أضعاف مقارنة بالسنوات التي سبقتها، كما تسارع فرض الواقع الاستيطاني وعنف المستوطنين وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً بشكل لافت. وشهدت غزة حرب إبادة لم يأت مثلها منذ حرب العام 1948. لذلك قد تميل توجهات معسكر آيزنكوت لخفض ذلك التصعيد، دون تبديل أو تغيير في معادلة الصراع مع الفلسطينيين.
يرفض آيزنكوت انهيار السلطة أو الحكم الإسرائيلي المباشر لملايين الفلسطينيين، مع تمسكه بالسيطرة الأمنية العليا لإسرائيل في الضفة، وفي غزة يؤيد الخطة الأميركية مشترطا نزع سلاح حماس بالكامل قبل أي ترتيبات أخرى، ولم يتحدث عن أي تعهد بانسحاب كامل غير غزة أو عن جدول زمني محدد لذلك. وعن الاستيطان والضم، يؤيد الاستيطان الذي ينسجم مع المصلحة الأمنية، ولا يطرح الانسحاب من المستوطنات. وانتقد إسناد إدارة الشرطة إلى بن غفير وصلاحيات في إدارة الشؤون المدنية إلى سموتريتش، وطالب باستعادة سيطرة المؤسسة العسكرية. ويرفض بينيت صراحة إقامة دولة فلسطينية؛ ويطرح حكماً ذاتياً، وفي غزة ترجح قائمته بقاء السيطرة حتى الخط الأصفر والاحتفاظ بحرية العمل العسكري إلى حين نزع سلاح «حماس». واعتبر أن منطقة «ج» أي ثلثي الضفة الغربية ستكون جزءاً من إسرائيل، بينما الثلث المتبقي يحكم ذاتياً. ويتحدث ليبرمان صراحة عن منع قيام دولة فلسطينية، وفي غزة يتبنى فكرة تسليم إدارة غزة لجهة أجنبية، بعد القضاء على حماس، ويرفض إختلاء المستوطنات، ويتمسك بالسيطرة الإسرائيلية الكاملة على مناطق ج، والأمنية على ما تبقى من الضفة، بالتقاطع مع دور أردني في إدارتها.
ورغم ذلك، يبقى هناك عدد من السيناريوهات لنتائج الانتخابات الإسرائيلية لا يمكن إغفالها. يقوم أحد السيناريوهات على أساس قبول المعارضة بتشكيل حكومة وحدة تجمع الليكود وحزب «ياشار»، مع شركاء إضافيين. قد يشكل ذلك مخرجاً لنتنياهو للبقاء في السلطة، ويمنحه فرصة للتحرر من الاعتماد على شركائه الأكثر تشدداً، ويعطي في نفس الوقت لآيزنكوت فرصة للوصول للقيادة بالتناوب مع نتنياهو. ويتيح ذلك هامشاً أوسع للتهدئة والتفاهمات الإقليمية، دون أن يضمن تحولاً جوهرياً تجاه الحقوق الفلسطينية. ويحظى هذا السيناريو، بحسب تقارير صحافية، بتفضيل لدى إدارة ترامب، كفرصة لدفع التفاهمات الإقليمية والتطبيع مع السعودية.
وقد تستمر حكومة نتنياهو وائتلافه الحالي، في سيناريو آخر، خلال فترة تعثر تشكيل الحكومة. ويمنح القانون مهلة 28 يوماً لتشكيل الحكومة، ويمكن إضافة 14 يوم أخرى. وإذا استُنفدت المدة دون تشكيلها، يصبح التوجه إلى انتخابات جديدة احتمالاً جدياً، بما يمنح نتنياهو فترة إضافية في الحكم. ويدعم هذا السيناريو، خروج المعسكرين من الانتخابات دون أغلبية واضحة، وقادرة على تشكيل الحكومة، مع تمسك المعارضة برفض الائتلاف مع نتنياهو، وتعذر استقطاب كلا المعسكرين شركاء إضافيين، وعدم استفادة معسكر آيزنكوت من دعم الأحزاب الفلسطينية.
إذا نجح نتنياهو في البقاء، فقد يوظف النتيجة باعتبارها تفويضاً له لمواصلة نهجه وتشجيعاً على خطوات أكثر تشدداً، وذلك حسب تركيبة ائتلافه. أما فوز المعارضة، فلا يعني تلقائياً تحولاً نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو إنهاء الاحتلال؛ ومع ذلك، فقد يتيح تغيير الحكومة ضبطاً أكبر لعنف المستوطنين، ومرونة أوسع تجاه ترتيبات غزة والتفاهمات الإقليمية، ما يفتح مجالاً لتهدئة نسبية مقارنة بالتصعيد الحالي.