32,309 مشاهدة
غسان صفير
ليست المعضلة أن حزب الله لم يستطع منع إسرائيل من إيقاع هذا الحجم من الدمار بلبنان فحسب؛ المعضلة أن حرباً بهذا الثمن تفرض سؤالاً يتجاوز الميدان إلى بنية السلطة نفسها: ماذا يفعل صاحب السلاح حين تتكشّف حدود قدرته على الردع؟ هل يراجع المعادلة التي أوصلت البلاد إلى الكارثة، أم يتصرّف في الداخل كما لو أنّ فائض القوة الذي تعذّر تحويله إلى ردع في مواجهة إسرائيل يمكن أن يتحوّل إلى نفوذ في مواجهة اللبنانيين؟ هنا تبدأ المفارقة الأخطر: أن يتحوّل العجز على الحدود إلى فائض سطوة داخل الوطن، وأن يصبح المجتمع اللبناني ساحةً بديلة لتظهير قوة لم تستطع تحقيق أهدافها في مواجهة إسرائيل.
من هذه الزاوية، لا تُقرأ بدلات الإيواء التي يقدّمها الحزب بإعتبارها مسألة مالية معزولة عن السياسة. إغاثة النازحين واجب إنساني، ولا يجوز تحويل حاجة المشرّد إلى تهمة أو جعل المساعدة موضع شبهة لمجرّد مصدرها. لكنّ الواجب الإنساني لا يمنح أي جهة حصانة سياسية، ولا يحوّل المال إلى صكّ براءة من الأسئلة المتعلقة بالقرار والمسؤولية والنتائج. فالمساعدة تُقاس بما ترفعه عن كاهل المحتاج، أمّا شرعية السلطة فتُقاس بما تخضع له من مساءلة. والخلط بين الإثنين هو المدخل الأخطر لتحويل الإغاثة من حقّ إنساني إلى رصيد نفوذ.
ليس ثمة دليل كافٍ يتيح الجزم بأن بدلات الإيواء جزء من مشروع لتغيير ديموغرافي؛ لكن غياب الدليل القاطع لا يبرّر غياب الرقابة، كما أن الحذر من الإتهام لا ينبغي أن يتحوّل إلى حصانة من التنبّه. وإذا كانت هناك محاولة لتثبيت نزوح طويل الأمد أو إستثماره لتغيير الوقائع على الأرض، وجب على الدولة أن تتنبّه لهذا السيناريو، وأن تمنع تحوّله إلى أمر واقع. فالتغيير لا يبدأ دائماً بقرار معلن؛ قد يبدأ حين يصبح البقاء متعذّراً، والعودة مؤجّلة، والواقع المؤقت أطول عمراً من الوعود التي رافقته. لذلك، لا يكفي السؤال عمّن يدفع بدل الإيواء؛ يجب أن يُطرح أيضاً سؤال مَن يضمن ألّا يتحوّل النزوح إلى إقتلاع مستدام، ومَن يحمي حقّ الناس في العودة من أي إستثمار سياسي أو مالي.
أما جوهر المعضلة، فيكمن في التناقض بين خطاب مقاومة الهيمنة وممارسة سلطة لا تخضع بالكامل لمرجعية الدولة. فمقاومة إسرائيل لا تمنح أحداً تفويضاً مفتوحاً في الداخل، ولا تجعل إمتلاك السلاح مصدراً لحقّ إستثنائي في تقرير مصائر الآخرين. السيادة ليست إنتقائية: لا يمكن رفض الوصاية حين تأتي من الخارج، ثم إعتبار الإعتراض في الداخل خروجاً على الثوابت؛ ولا يمكن مطالبة اللبنانيين بتحمّل نتائج قرار الحرب فيما يبقى حقّهم في مساءلة صاحب القرار موضع نزاع. فالمواطن الذي لا يملك المشاركة الفعلية في قرار بهذا الحجم، ولا القدرة على محاسبة من يتّخذه، يُختزل من شريك في الوطن إلى متلقٍّ لتبعات خيارات غيره.
وليس المطلوب تحميل الدولة مسؤولية حرب لم تستجلبها، بل مطالبتها بألّا تسمح للحرب بأن تصبح مدخلاً لفرض وقائع جديدة خارج القانون. واجبها أن تحمي حقّ المواطنين في العودة، وأن تصون حرية المناطق وتركيبتها من أي تغيير قسري، وأن تمنع المال والسلاح، أيّاً كان مصدرهما، من التحوّل إلى بديل من المؤسسات والحقوق. فالدولة لا تثبت سيادتها بمجرد إعلانها، بل بقدرتها على ضمان أن يبقى المواطن صاحب حقّ، لا تابعاً لجهة تموّل حاجته أو تفرض عليه ميزان القوة.
فالدولة ليست صندوق إعانات، والحزب ليس وزارة سيادية موازية، والنازح ليس تفصيلاً في معركة شرعية. مَن يملك قرار الحرب لا يستطيع شراء براءته بالتعويضات، ومَن يملك واجب حماية المواطنين لا يجوز أن ينتظر حتى تصبح المخاوف وقائع يصعب تصحيحها. أمّا الوطن الذي يُعوَّض أبناؤه عن بيوتهم من دون أن تُضمن عودتهم إليها، فليس أمامه مشروع إعمار، بل فاتورة مفتوحة للخراب، يدفعها الناس فيما يتنازع الآخرون ملكية القرار.
إنّ الخطر الأعمق ليس أن تُدمَّر البيوت وحدها، بل أن يُعاد ترتيب العلاقة بين المواطن والوطن على قاعدة الحاجة والنفوذ: مَن يملك المال يوسّع حضوره، ومَن يملك السلاح يفرض إيقاعه، ومَن خسر بيته يُطالَب بأن يتكيّف مع واقع لم يختره. عندها، لا يعود النزوح مجرّد نتيجة للحرب؛ يصبح إختباراً لمدى قدرة لبنان على منع المأساة الإنسانية من التحوّل إلى مكسب سياسي، وعلى حماية الجغرافيا من أن تصبح إمتداداً لموازين القوة.
فمَن عجز عن ردع إسرائيل لا يحقّ له أن يجعل من الداخل ساحةً لتعويض عجزه؛ فاللبنانيون ليسوا غنائم حرب، وأرضهم ليست مساحةً مباحة لإعادة توزيع النفوذ، والسيادة ليست إمتيازاً لمن يحمل السلاح، بل حقّ متساوٍ لجميع المواطنين. وإذا كانت الحرب قد كشفت حدود الردع، فلا يجوز أن تكون نتيجتها توسيع حدود الوصاية. فالوطن ليس تعويضاً عن معركة، ولا جائزة ترضية لسلاح، ولا عقاراً سياسياً يُعاد توزيع النفوذ فيه كلّما تبدّلت موازين الحرب. المقاومة التي لا تقبل أن يحدّها القانون داخل الوطن تضع نفسها أمام السؤال الذي لا تستطيع الشعارات إلغاءه: هل تحمي الدولة، أم تريد أن تكون الدولة؟