حرب إيران وتايوان في قمة واشنطن بين الرئيسين ترمب والصيني شي
منذ 3 ساعات
0 4 دقائق
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *
كان يأمل ترمب أن تقترب المواجهة مع إيران نهايتها مع دخول حرب إيران شهرها السابع، ولا زالت الجهود الدبلوماسية متعثرة، وكانت الولايات المتحدة وإيران قد أعلنتا مرتين في أبريل ويونيو 2026 اتفاقين لوقف إطلاق النار، بهدف استعادة حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، لكن الاتفاقين انهارا سريعا، وفي 13 يوليو أعادت الولايات المتحدة حصار موانئ إيران وفرضت قيودا على حركة سفنها، في مسعى للضغط على طهران وحرمانها من عائدات النفط، التي تمثل مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة لإيران، في وقت لا تزال فيه مؤشرات الميدان والملاحة في الخليج تعكس اتساع تداعيات الصراع، بينما تتواصل التحركات الدبلوماسية بحثا عن مخرج للأزمة.
دافع فانس نائب الرئيس الأمريكي عن استمرار الدور العسكري لبلاده من أجل ضمان استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، معتبرا استمرار استهداف السفن يجعل الانسحاب من المنطقة خيارا يحمل تداعيات واسعة على أسواق الطاقة.
للمرة الثالثة يصوت مجلس النواب على قرار يتعلق بصلاحيات الحرب، في خطوة تستهدف الحد من قدرة الرئيس ترمب على مواصلة القتال ضد إيران من دون تفويض من الكونغرس، فيما البيت الأبيض يرى أن استمرار العمليات ضرورية لحماية المصالح الأمريكية والملاحة الدولية ومنع اضطراب الطاقة، خصوصا بعدما أظهرت البيانات أن 3 سفن فقط عبرت مضيق باب المندب 16/9/2026 مقارنة ب12 سفينة في اليوم السابق، وبمتوسط يبلغ 17 سفينة خلال الأيام العشرة الماضية، كذلك تراجعت حركة السفن عبر مضيق باب المندب إلى 21 سفينة في 16/9/2026 مقابل 24 في اليوم السابق.
فاستمرار تراجع حركة السفن عبر هرمز وباب المندب، وتصاعد المواجهات في اليمن والخليج، يشيران إلى أن الطريق إلى تسوية لا يزال مرتبطا بتطورات ميدانية واقتصادية تتجاوز حدود التفاوض المباشر بين واشنطن وطهران، التي لم تعد محصورة في العمليات العسكرية بينهما، بل امتدت إلى ممرات التجارة والطاقة في الخليج والبحر الأحمر.
لوح الرئيس ترمب مجددا بالعودة إلى التصعيد العسكري ضد إيران، معلنا اقترابه من اتخاذ قرار كبير بشان الحرب، وفي مقابلة مع موقع أكسيوس الإخباري إنه يقترب من منعطف حاسم بشأن الحرب، وأضاف أنه قرار كبير لكنه يحتاج إلى قدر من الدعم من حلفائه، بعدما أحجم في أغسطس 2026 عن استئناف العمليات القتالية الكبرى، بعدما أبدت بعض دول المنطقة مخاوف أن ترد إيران باستهداف منشآت النفط والغاز، واتجهت إلى إطلاق حملة جديدة من العقوبات الاقتصادية، والاستمرار في فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، مع تركيز القوات الأمريكية على إعادة فتح مضيق هرمز وزيادة تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
لكن مسؤولين أمريكيين حذروا من أن الصراع دخل مرحلة من الجمود غير القابلة للاستمرار في وضع لا يشبه الحرب الشاملة ولا السلام، ويعتبر مستشار مجتبى خامنئي أن إغلاق المضيق ليس سوى المرحلة الأولى من انتقام الشعب الإيراني.
إيران لم تتمكن من تصدير أي برميل نفط في ظل الحصار البحري الأميركي، فيما تؤكد سنتكوم أن الممرات خالية من الألغام، وتواصل على إبقاء مضيق هرمز مفتوحا وآمنا أمام حركة الملاحة التجارية وتسهيل عبور أكثر من مليار برميل من النفط عبر المضيق خلال الشهرين الماضيين، وعبور أكثر من ألفين سفينة تجارية.
سيزور الرئيس الصيني واشنطن في 23 سبتمبر 2026 وهي اول زيارة يقوم بها شي للبيت الأبيض منذ أكثر من عقد، أولوية شي تايوان وليس إيران وهناك قلق لدى حلفاء واشنطن في آسيا من احتمال أن يخفف ترمب موقف واشنطن تجاه تايوان مقابل تنازلات اقتصادية يقدمها الصيني شي، مقابل تأخير مبيعات الأسلحة لتايوان أو على الأقل إشارة من ترمب يمكن أن تفسرها بكين بوصفها تراجعا في الالتزام الأمريكي بأمن تايوان، لأن بكين تصف تايوان بأنها قضية جوهرية في علاقتها بالولايات المتحدة، ولم تتخل عن خيار استخدام القوة لضم الجزيرة.
سبق أن أجل الرئيس ترمب مبيعات أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار بعد لقائه الرئيس الصيني شي في مايو 2026 وجعلها حزمة معلقة وصفها بانها ورقة تفاوض جيدة جدا، في المقابل أكد شي لترمب بان الصين لن تهاجم الجزيرة خلال وجوده في البيت الأبيض، فيما اليابان لا تود أن تصبح تايوان محورا للمساومة مقابل تعهد الرئيس الصيني شي بشراء مزيد من المنتجات الأميركية والقيود الصينية على تصدير المعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى نقاش حول إنشاء تجارة ثنائي لتحديد السلع غير الحساسة التي يمكن خفض الرسوم عليها، بمثابة انتصار اقتصادي أمام الناخبين قبل انتخابات نوفمبر.
سيفرض ملف إيران نفسه كملف أمني ساخن نظرا للحرب الجارية والدائرة تضغط واشنطن على بكين بشدة لتقليص مشترياتها من النفط الإيراني ووقف تزويد طهران بالتكنولوجيا العسكرية، مما يجعل هذا الملف محوريا في المباحثات، لكنه لن يكون مثل ملف تايوان الخط الأحمر الثابت يمثل الملف البنيوي الأعمق والحاسم بالنسبة للصين، رغم انشغال واشنطن بملف إيران والذي أدى إلى تعليق بعض صفقات الأسلحة لتايوان مؤقتا، تظل تايوان جوهر الصراع الجيوسياسي الطويل الأمد الذي يهدد أي استقرار استراتيجي بين القوتين.
تتقاطع الحسابات الاقتصادية مع التوازنات الجيوسياسية، ما يضع هذه الزيارة في قلب اختبار حقيقي لقدرة الصين على الجمع بين دور الوسيط والضامن، دون الانخراط في مواجهة شاملة، ورغم نفي واشنطن حاجتها إلى الوساطة الصينية، لكن يتكثف الترقب الدولي حول ما إذا كانت بكين ستتحول إلى لاعب حاسم في إدارة أكثر الملفات تعقيدا، لكن يبقى موقع إيران في حسابات الصين محدودا مقارنة بثقل العلاقة مع الولايات المتحدة التي تمثل الشريك التجاري الأكبر لبكين، إجمالي التجاري بين البلدين عام 2025 نحو 414.7 مليار دولار، بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين 106.3 مليار دولار فيما بلغت الواردات الأمريكية من الصين 308.4 مليار دولار بانخفاض 20% بسبب الرسوم والتوترات رغم ذلك هناك فائض تجاري لصالح الصين بنحو 300 مليار دولار بلغت مع العالم 1.19 تريليون دولار.
ما يدفع الصين البحث عن تقاسم عمل إقليمي ودولي في إدارة أمن الخليج والمحيط الهندي، قد يكون هذا القبول مشروط ومقيد بضوابط صارمة تضمن عدم تراجع نفوذها الاستراتيجي لصالح خصومها الدوليين، خصوصا بعدما تحولت الاستراتيجية الدفاعية الأميركية من مفهوم المظلة الأمنية المجانية الكاملة إلى مفهوم الشراكة العسكرية المباشرة وتكليف الحلفاء الإقليميين بإدارة أمنهم الذاتي، لتخفيف التكلفة العسكرية، وبناء تحالفات متكاملة.
نحن أمام نموذج حرب باردة ذكية، يتسابق الطرفان عسكريا وتقنيا، لكنهما يتصافحان تجاريا لتجنب الانهيار المشترك، لم تعد موازين القوى بين واشنطن وبكين، ومن الحرب التجارية التي اندلعت عام 2018 إلى إدارة التنافس عبر آليات مؤسسية ملموسة، بعدما شهدت العلاقات تطورا دراماتيكيا انتقل من الصراع على الميزان التجاري إلى حرب تكنولوجية شاملة محورها أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة ام القرى سابقا