تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

لبنان

إعادة تأهيل حديقة وتمثال رفيق الحريري في بيروت… وفاء للإرث وتجدد الحديث عن عودة سعد الحريري

إعادة إعمار لبنان إلى استمرارية المدرسة الحريرية…

بيروت – بيروت تايمز – منى حسن

في خطوة تحمل أبعاداً وطنية ورمزية، أُعيد تأهيل الحديقة التي تحتضن تمثال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العاصمة بيروت، بمبادرة ودعم من الأمين العام لتيار المستقبل الشيخ أحمد الحريري، وبالتنسيق مع محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على المرافق العامة والمعالم الوطنية وتعزيز جمالية العاصمة.

وتأتي هذه المبادرة في وقت تتداول فيه أخبار عن احتمال عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان قريباً، الأمر الذي يعيد تسليط الضوء على إرث رفيق الحريري السياسي والاقتصادي، وعلى مستقبل المدرسة الحريرية ودورها في الحياة السياسية اللبنانية. إلا أن أعمال التأهيل لا تشكّل بحد ذاتها تأكيداً لعودة الحريري أو دليلاً على وجود ارتباط مباشر بين الأمرين.

رفيق الحريري… رجل دولة ارتبط اسمه بإعادة إعمار لبنان

لم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري مجرد رئيس للحكومة، بل كان شخصية سياسية واقتصادية تركت بصمتها في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث. ارتبط اسمه بإعادة إعمار بيروت بعد الحرب الأهلية، وبجهود النهوض بالاقتصاد اللبناني، وإعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة موقع العاصمة بوصفها مركزاً للحياة الاقتصادية والثقافية والإعلامية.

كما ارتبط دوره بالتسوية التي أفضت إلى اتفاق الطائف، وبشبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية التي وظّفها في دعم لبنان وتعزيز حضوره الخارجي. وفي عهده، برزت رؤيته لإعادة بناء المؤسسات وتحديث المرافق العامة، إلى جانب اهتمامه بالتعليم ودعم الطلاب، وهي جوانب أسهمت في تشكيل صورته لدى مؤيديه باعتباره رجل إعمار وانفتاح وعلاقات دولية.

وفي المقابل، لا تزال تجربته الاقتصادية والسياسية موضع نقاش بين اللبنانيين، خصوصاً في ما يتعلق بكلفة سياسات إعادة الإعمار والدين العام والخيارات الاقتصادية التي اعتمدت في تلك المرحلة. لكن اغتياله في 14 شباط 2005 شكّل منعطفاً حاسماً في تاريخ لبنان، وفتح مرحلة جديدة من التحولات السياسية والأمنية.

«اغتالوا الرجل ولم يُنهوا المشروع»… إرث يتجاوز التمثال

تستعيد المبادرة، في بعدها الرمزي، مقولة تختصر نظرة أنصار الحريرية السياسية إلى إرث مؤسسها: «اغتالوا الرجل ولم يُنهوا المشروع».

ففي 14 شباط 2005، اغتيل رفيق الحريري في تفجير هزّ بيروت ولبنان والمنطقة، لكن أفكاره ومشاريعه وشبكة علاقاته السياسية بقيت حاضرة في الذاكرة العامة، كما استمر النقاش حول رؤيته للدولة والاقتصاد والعلاقات العربية والدولية.

ومن رفيق الحريري إلى نجله الرئيس سعد الحريري، انتقلت مسؤولية قيادة تيار المستقبل في مرحلة اتسمت بتحديات سياسية وأمنية متلاحقة. ويرى أنصار التيار أن سعد الحريري يمثّل امتداداً سياسياً لمدرسة والده، وأن ما واجهه من ضغوط وأزمات وانحسار في الحضور السياسي أثّر في قدرة التيار على مواصلة دوره السابق.

ويذهب بعض مؤيدي هذا النهج إلى اعتبار محاولات إضعاف الحضور السياسي لسعد الحريري استهدافاً لاستمرارية المشروع الحريري نفسه. وهي قراءة سياسية تعبّر عن وجهة نظر أنصاره، في ظل مشهد لبناني تتداخل فيه التحالفات والمصالح والتوازنات الداخلية والإقليمية.

ومع تعدد القوى والشخصيات التي تسعى إلى ملء المساحات السياسية الشاغرة، لا يزال جمهور تيار المستقبل ينظر إلى سعد الحريري باعتباره عنواناً لاستمرارية المدرسة التي أسّسها والده، فيما يبقى مستقبل التيار مرتبطاً بالخيارات التي ستُتخذ في المرحلة المقبلة وبمدى قدرته على استعادة دوره في الحياة العامة.

هل تحمل أخبار العودة مؤشرات إلى مرحلة جديدة؟

في ظل تداول أخبار عن احتمال عودة سعد الحريري إلى لبنان، تتجدد التساؤلات حول مستقبل تيار المستقبل وإمكانات استعادة نشاطه السياسي والتنظيمي، وما إذا كانت العودة، في حال تأكدت، ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التواصل مع القواعد الشعبية والقوى السياسية.

لكن بين التداول الإعلامي والتأكيد الرسمي مسافة لا يمكن تجاوزها، إذ يبقى تحديد موعد العودة وطبيعتها وما قد يرافقها من خطوات سياسية رهناً بمعلومات موثوقة أو إعلان رسمي.

ومع ذلك، فإن إعادة تأهيل الحديقة والتمثال تمنح المناسبة بعداً إضافياً في الذاكرة السياسية، لأنها تستحضر شخصية ارتبط اسمها بمشروع إعادة إعمار لبنان، وتعيد طرح سؤال استمرارية الإرث السياسي الذي تركه رفيق الحريري بعد اغتياله.

من رمزية المكان إلى مسؤولية الدولة

لا تقتصر أهمية إعادة تأهيل الحديقة على تحسين مظهرها أو صيانة التمثال الذي تحتضنه، بل تتصل أيضاً بالحفاظ على الذاكرة الوطنية وصون المعالم العامة التي تحمل دلالات تاريخية وسياسية.

فالمكان الذي يضم تمثال رفيق الحريري يستحضر مرحلة من تاريخ بيروت، شهدت محاولات لإعادة بناء ما دمرته الحرب واستعادة دور العاصمة. ومن هنا، فإن الاهتمام به يندرج ضمن مسؤولية الحفاظ على المرافق العامة، بعيداً عن أي توظيف سياسي ضيق، وبما يضمن بقاء المعالم الوطنية مساحة مشتركة تستحضر تاريخ المدينة وتطورها.

وفي مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى استعادة الثقة بمؤسساته وتعزيز قدرتها على أداء دورها، يبقى التحدي الأساسي في ترجمة الشعارات المرتبطة ببناء الدولة إلى سياسات عملية، تقوم على الإصلاح والمساءلة وتطوير الخدمات العامة وحماية المصلحة الوطنية.

رفيق الحريري… مشروع دولة أم إرث سياسي؟

رحل رفيق الحريري شهيداً، لكن حضوره بقي جزءاً من النقاش حول مستقبل لبنان وخياراته الاقتصادية والسياسية. وبالنسبة إلى أنصار المدرسة الحريرية، فإن المشروع الذي ارتبط باسمه لا يُختصر بتمثال أو شعار، بل يقوم على رؤية للبنان منفتح على محيطه العربي والعالم، وقادر على إعادة بناء مؤسساته واقتصاده واستعادة دوره.

أما استمرارية هذا المشروع، فلا تتوقف على رمزية الاسم وحدها، بل على القدرة على تحويل الإرث إلى برنامج سياسي واقتصادي قابل للتطبيق، يستجيب لتحديات اللبنانيين وتطلعاتهم إلى دولة مستقرة وعادلة وقادرة.

وبين إعادة تأهيل الحديقة التي تحتضن تمثال الرئيس الشهيد، والأخبار المتداولة عن احتمال عودة سعد الحريري، يبقى السؤال مفتوحاً حول المرحلة المقبلة: هل يشهد لبنان عودة سياسية تعيد رسم موقع تيار المستقبل، أم تستمر المرحلة الحالية بما تحمله من تحولات في موازين القوى؟

في انتظار اتضاح الصورة، تبقى ذكرى رفيق الحريري حاضرة في تاريخ بيروت، ويبقى إرثه موضع نقاش سياسي ووطني يتجاوز حدود الحديقة والتمثال، إلى سؤال أوسع يتعلق بالدولة التي أرادها اللبنانيون، وبقدرة الحياة السياسية على إنتاج مشروع جامع يعيد الثقة بالمستقبل.

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock