دموع الأمهات والخلاص

08/28/2026 - 21:48 PM

Jonathan Amireh

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس

اليوم، في التقويم الغربي، تعيّد الكنيسة في العالم أجمع القديسة مونيكا، تلك الأم التي ذرفت دموعها سنوات طويلة من أجل ارتداد ابنها أوغسطينوس إلى الإله الحق. وكأن دموعها استمرت ما يقارب ثلاثةً وثلاثين عامًا، عمر المسيح على الأرض.

كانت دموعها بريئة، حرّة، صادقة، خارجة من أعماق قلب أمٍّ لم تفقد الرجاء. وبدموعها وصلواتها، استطاعت، رغم قساوة زوجها وما أحاط بابنها من ضلال، أن تساهم في تحريره من عالم الأوثان وعبادة القوة الغاشمة، ومن الأصنام التي كان مصدرها واحدًا: إبليس الخبيث الكذاب، الذي خدع الإنسان مرارًا بأوهامه السحرية والمادية والفكرية.

وهكذا أخذ الإنسان يقتل أخاه الإنسان باسم آلهة وهمية، وأفكار مسمومة، وشعارات خادعة، من دون رحمة ولا شفقة.

أما الله الحق، فلم يكن يومًا إله العنف والانتقام، بل كان ولا يزال إله الرحمة والرأفة والحنان. وكل ما يزرع في قلب الإنسان الحقد والقتل والكراهية والظلم، إنما هو من عمل الإنسان حين يبتعد عن الله، ومن خداع الشيطان الذي يريد أن يفسد صورة الله في قلب الإنسان.

وأعظم وحي وحضور إلهي جاء خاتمًا لكل إعلان، إنما ظهر في الكلمة المقدسة المتجسدة، المختومة بالدم الإلهي المخلّص والفادي: يسوع المسيح.

لذلك، أؤمن أن الدموع البريئة، ودموع القلب، ودموع الإيمان، هي من طرق الخلاص الحقيقي للإنسان وللأوطان.

أما دموع الانتقام والحقد والحسد، فلا تحلّ العقد، ولا تردّ الظلم، ولا تنصر مظلومًا. فالانتقام لا يشفي جرحًا، والكراهية لا تبني وطنًا، والدم لا يغسل الدم.

فيا أمهات الأرض كلها، لا تبخلن على الأرض وأهلها بدموع الحنان الصافي. ابكين من أجل أبنائكن، وصلّين من أجلهم، واسكبن دموعكن أمام الرب، لعلّها تغسل خطايانا وتفتح أمامنا أبواب الرحمة. فالله لا يرضى إلا بالنقاء والصفاء والوفاء. الله رؤوف، رحيم، رحمن.

يوم كنت طفلًا، علّمني أبي ما كان قد تعلّمه من الأجداد والأجيال: أن الرجال لا يبكون، وأن على الرجل أن يخفي دمعته.

لكن آن الأوان أن نحرّر القلب والعقل من بعض خرافات الأزمنة، ومن حكايات الطواحين الدونكيشوتية، وأن نفهم أن الدموع ليست ضعفًا، وأن القلب الذي يبكي ليس قلبًا مهزومًا. لقد تأملت طويلًا في دموع يسوع عند قبر صديقه لعازر.

يسوع بكى.

بكى ابن الله أمام ألم الإنسان، وأمام الموت، وأمام وجع أحبائه. فإذا كان المسيح نفسه قد بكى، فلماذا نخجل نحن من دموعنا؟

العالم اليوم يئن من الحرمان، ويتألم من قلة الحنان، ويختنق من كثرة الحروب.

العالم لا يحتاج إلى مزيد من الغضب، ولا إلى مزيد من الانتقام، ولا إلى قلوب متحجرة.

من يخلّص العالم من الغضب الآتي؟ ربما تكون الإجابة في دموع أمٍّ تصلّي في الليل من أجل ابنها. وربما في قلب أبٍ غلب كبرياءه وسجد طالبًا الرحمة. وربما في صلاة إنسان تائب لا يريد أن ينتصر على أخيه، بل يريد أن ينتصر على الشر في داخله. إنها دموع الأمهات البريئات، وصلوات القلوب التائبة، الوديعة، العطشى إلى الحق والعدل في كل مكان.

دموع القديسة مونيكا لم تذهب سدى. فقد بكت الأم، وصلّت، وانتظرت… وكان الله يعمل في صمت.

ومن دموع أمٍّ مؤمنة، وُلد أوغسطينوس جديدًا، وصار القديس أوغسطينوس، أحد أعظم آباء الكنيسة.

فلنبكِ إذًا، ولكن ليس بكاء اليأس. ولنصلِّ، ولكن ليس صلاة الانتقام. ولنسكب دموعنا أمام الله، لا أمام الحقد.

لعلّ دمعةً صادقة من قلب أمٍّ تكون أقوى من صرخة حرب، وأبلغ من خطبة، وأقرب إلى السماء من كل كلماتنا.

يا رب، أعطِ أمهاتنا دموع القديسة مونيكا، وقلب مريم العذراء، وحنان المسيح، واجعل من دموعهن بذور خلاص، ومن صلواتهن سلامًا، ومن وجعهن رحمة، ومن بيوتنا وأوطاننا أرضًا للحق والعدل والحنان.

آمين.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment