الصحافي جاد جوزف صليبا *
أعاد الحديث عن احتمال تدخل سوريا في لبنان لمواجهة حزب الله فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشرق العربي. فبعد عقود من النفوذ السوري المباشر في لبنان، تبدو المعادلة اليوم مختلفة جذريًا: دمشق الجديدة برئاسة أحمد الشرع تحاول تثبيت سلطتها داخل سوريا، وإعادة بناء مؤسساتها، وتثبيت علاقاتها الإقليمية والدولية، فيما يواجه لبنان أزمة متشابكة عنوانها سلاح حزب الله ومستقبل دوره العسكري والسياسي. في هذا السياق، برزت خلال الأشهر الأخيرة طروحات أميركية تتحدث عن احتمال دفع سوريا إلى تأدية دور في احتواء حزب الله أو إضعافه.
لكن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت سوريا قادرة نظريًا على الدخول إلى لبنان، بل ما إذا كان هذا الخيار واقعيًا ويصب في مصلحة دمشق. والمؤشرات الحالية توحي بأن الاحتمال العسكري المباشر لا يزال ضعيفًا. فقد أكد الشرع غير مرة أن سوريا لا تخطط للتدخل عسكريًا في لبنان، وأن معالجة الأزمة اللبنانية يجب أن تكون من مسؤولية الدولة اللبنانية، مع إبدائه استعداد دمشق لتقديم أشكال أخرى من المساعدة إذا طلبت بيروت ذلك.
وتكمن أولى العقبات أمام أي تدخل، في أنّ سوريا نفسها لم تخرج نهائيًا من مرحلة إعادة بناء الدولة. فالانتقال من سنوات الحرب إلى دولة مركزية مستقرة يحتاج إلى موارد سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، وفتح جبهة خارج الحدود قد يبدد جزءًا من هذا الجهد ويعيد إنتاج المخاطر التي تحاول دمشق التخلص منها. ولذلك فإن إرسال قوات سورية إلى لبنان لمواجهة حزب الله سيكون قرارًا عالي الكلفة، خصوصًا أن للحزب حضورًا سياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا متجذرًا داخل لبنان.
إلى ذلك، فإن التدخل السوري سيطرح مشكلة السيادة اللبنانية. فحتى لو كان الهدف المعلن هو مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها الأمني، فإن دخول جيش أجنبي إلى الأراضي اللبنانية قد يُفهم لدى شريحة واسعة من اللبنانيين باعتباره عودة إلى مرحلة الوصاية السورية، وهو ما قد يثير رد فعل سياسيًا وشعبيًا معاكسًا. كذلك، فإن أي مواجهة سورية مباشرة مع حزب الله يمكن أن تتحول سريعًا إلى صراع لبناني ـ سوري مفتوح، بدل أن تكون عملية محدودة لإنهاء النفوذ العسكري للحزب.
ومع ذلك، لا يعني استبعاد التدخل العسكري أن دمشق ستبقى محايدة تمامًا تجاه حزب الله. فالعلاقة بين الطرفين تغيرت بصورة عميقة منذ سقوط نظام بشار الأسد، بعدما كان الحزب قد ادى دورًا عسكريًا بارزًا في الحرب السورية إلى جانب النظام السابق. وفي المقابل، بدأت السلطات السورية الجديدة تشدد الرقابة على الحدود وتعمل ضد شبكات مرتبطة بعمليات تهريب ونقل أسلحة يُشتبه في ارتباطها بالحزب. وهذا يتيح لدمشق ممارسة ضغط حقيقي من دون الدخول في حرب في العمق اللبناني.
السيناريو الأكثر واقعية، إذن، هو أن تستخدم سوريا نفوذها الجغرافي والأمني والحدودي كورقة ضغط، بالتنسيق مع الدولة اللبنانية والقوى الإقليمية والدولية، بدل إرسال قواتها إلى الداخل اللبناني. وهذا الخيار يمنح الشرع هامشًا أوسع للمناورة، ويحافظ في الوقت نفسه على صورة سوريا الجديدة التي تسعى إلى بناء علاقات دولية مختلفة عن مرحلة الأسد.
أما الخطر الحقيقي فيكمن في أن يتحول الضغط الخارجي على دمشق إلى محاولة لفرض حرب عليها بالوكالة. فإذا اقتنعَ أطراف دوليون بأن الجيش السوري هو الأداة الأنسب لإنهاء قوة حزب الله، فقد تجد دمشق نفسها أمام معادلة صعبة: إما رفض الدور وتحمل ضغوط سياسية، أو قبوله والدخول في مواجهة قد تتجاوز حدود لبنان. ولهذا يبدو أن الشرع يفضل حتى الآن الاحتفاظ بالملف كورقة تفاوضية بدل تحويله إلى حرب جديدة.
في المحصلة، لا يمكن استبعاد التدخل السوري بصورة مطلقة، لكن تحويله إلى عملية عسكرية واسعة ضد حزب الله يبدو، في الظروف الراهنة، خيارًا ضعيف الواقعية. فمصلحة دمشق الأساسية هي تثبيت الدولة السورية وفتح صفحة جديدة مع محيطها، لا استنزاف نفسها في لبنان. والأرجح أن يكون مستقبل الدور السوري قائمًا على ضبط الحدود، وقطع طرق الإمداد، والتنسيق الأمني والسياسي مع بيروت، واستخدام النفوذ السوري في أي تسوية إقليمية مقبلة. أما عودة الجيش السوري إلى لبنان في مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله، فتظل حتى الآن سيناريو افتراضيًا أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ.
* صحافي مستقل مهتم بالشأن العربي والدولي
عضو نقابة محرري الصحافة اللبنانية
مسؤول القسم العربي والدولي في صحيفة الجمهورية (لبنان) سابقا










08/09/2026 - 10:51 AM





Comments