سيرينا جمال دملج *
اعتادت منطقة الشرق الأوسط، طوال عقود، أن تستيقظ على أخبار الحروب أكثر مما تستيقظ على أخبار الاتفاقات. ولهذا، فإن توقيع السعودية وتركيا وباكستان "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" لا يمكن النظر إليه بوصفه خبرًا عسكريًا عابرًا أو وثيقةً جديدة تُضاف إلى أرشيف الاتفاقيات الإقليمية، بل باعتباره مؤشرًا إلى تحوّل أعمق في طريقة تفكير دول المنطقة بأمنها الجماعي، وبقدرتها على حماية استقرارها بعيدًا عن منطق ردود الفعل المؤقتة.
فالشرق الأوسط الذي أنهكته الحروب والصراعات العابرة للحدود، يبدو اليوم وكأنه يبحث عن معادلة مختلفة، لا تقوم على انتظار الأزمات ثم التعامل معها، بل على بناء منظومة ردع تجعل اندلاعها أقل احتمالًا.
أمنٌ وُلد من تراكم الأزمات
لم تأتِ هذه الاتفاقية من فراغ. فخلال السنوات الأخيرة، تعرّضت دول الخليج العربي لسلسلة من التهديدات والهجمات التي استهدفت أمنها واستقرارها، سواء عبر الاعتداءات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، أو من خلال الهجمات المتكررة التي شنّها الحوثيون على المدن والمنشآت الحيوية في المملكة العربية السعودية، فضلًا عن التوترات الأمنية التي طالت الأردن، وما رافقها من محاولات لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
كما كشفت المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة، وما رافقها من اضطرابات في الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، أن أمن أي دولة لم يعد مسألة محلية، بل أصبح جزءًا من منظومة مترابطة تتأثر فيها العواصم بعضها ببعض خلال ساعات.
وفي مثل هذا المناخ، تبدو فكرة الأمن الجماعي أكثر واقعية من أي وقت مضى.
أكثر من اتفاق دفاعي
العبارة الأبرز في الاتفاقية تنص على أن "أي هجوم مسلح ضد أي من الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا". ورغم أن هذه الصيغة تستحضر، في أذهان كثيرين، المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، فإن أهميتها لا تكمن في التشابه القانوني بقدر ما تكمن في الرسالة السياسية التي تحملها.
فالرسالة تقول إن أمن الرياض وأنقرة وإسلام آباد لم يعد يُنظر إليه باعتباره ملفات منفصلة، بل باعتباره مساحة أمنية مشتركة تتطلب تنسيقًا دائمًا وتعاونًا استراتيجيًا يتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي.
وبذلك، تتحول فكرة الدفاع من مسؤولية وطنية منفردة إلى التزام جماعي يرفع كلفة أي اعتداء محتمل ويعزز قدرة الدول الثلاث على الردع.
لماذا مكة؟
يحمل مكان التوقيع دلالة لا تقل أهمية عن مضمون الاتفاق نفسه. فمكة المكرمة ليست مجرد مدينة استضافت اجتماعًا سياسيًا، بل تمثل، بالنسبة إلى العالم الإسلامي، رمزًا للوحدة والالتقاء. ومن هنا، فإن اختيارها لتوقيع اتفاقية دفاع مشترك يمنح الوثيقة بعدًا معنويًا يتجاوز حدود التنسيق العسكري، ويوحي بأن الأمن والاستقرار باتا يُقدَّمان بوصفهما جزءًا من مسؤولية جماعية تجاه المنطقة، لا مجرد مصالح وطنية ضيقة.
إيران... الحاضر الغائب
لا تذكر الاتفاقية إيران بالاسم، ولا تقدم نفسها باعتبارها تحالفًا موجّهًا ضد دولة بعينها. غير أن توقيتها يجعل من الصعب فصلها عن البيئة الأمنية التي شهدت، خلال السنوات الأخيرة، تصاعدًا في التوتر بين طهران وعدد من دول المنطقة، سواء عبر الهجمات المباشرة أو عبر نشاط الجماعات المسلحة المرتبطة بها. ولذلك، فإن إيران تبدو الحاضر الغائب في خلفية الاتفاق. ليس لأنها الطرف المقصود رسميًا، بل لأن السياسات التي انتهجتها خلال السنوات الماضية كانت من بين العوامل التي دفعت عددًا من دول المنطقة إلى التفكير في بناء منظومة ردع أكثر تماسكًا.
ماذا عن جامعة الدول العربية؟
قد يطرح البعض سؤالًا مشروعًا: هل تمثل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" اعترافًا ضمنيًا بأن المؤسسات العربية والإقليمية التقليدية لم تعد كافية لضمان الأمن الجماعي؟
ربما لا يكون الجواب بهذه البساطة. فالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي سيبقيان إطارين سياسيين مهمين، لكن الاتفاقية الجديدة تعكس في الوقت نفسه ميلًا متزايدًا نحو بناء تحالفات أكثر مرونة وفاعلية، تقوم على تقارب الرؤى والمصالح، وعلى القدرة السريعة على اتخاذ القرار وتنفيذه. وبمعنى آخر، فإن المنطقة لا تستبدل مؤسساتها التقليدية، بقدر ما تضيف إليها أدوات جديدة تتلاءم مع طبيعة التحديات الراهنة.
نحو شرق أوسط مختلف
ما يلفت الانتباه في الاتفاقية أنها جاءت في لحظة تشهد فيها المنطقة محاولات متوازية لإعادة رسم خرائطها السياسية والأمنية. فبين مساعي احتواء التوتر في الخليج، والجهود الرامية إلى حماية طرق التجارة والطاقة، والتبدلات المتسارعة في موازين القوى، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة تتراجع فيها سياسات المحاور التقليدية لمصلحة شراكات إقليمية تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار طويل الأمد.
ولا يعني ذلك أن المنطقة أصبحت على أعتاب سلام شامل، أو أن أسباب الصراع قد اختفت، لكنه يشير إلى أن عددًا متزايدًا من دولها بات يفضّل الاستثمار في بناء منظومات الأمن، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد وقوعها.
بين القوة والسلام
قد تُقرأ "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بوصفها اتفاقًا عسكريًا، لكنها في جوهرها تحمل رسالة سياسية أوسع: أن الأمن لا يُصنع بالشعارات، بل ببناء الثقة بين الدول، وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها المشتركة، ومنع الحروب قبل اندلاعها. وربما يكون أهم ما في هذه الاتفاقية أنها تعكس بداية تحول في فلسفة الأمن الإقليمي؛ من انتظار الحماية إلى المشاركة في صناعتها، ومن الاكتفاء بردّ الفعل إلى بناء الردع.
فإذا نجحت هذه التجربة، فقد لا يكون الشرق الأوسط أمام تحالف دفاعي جديد فحسب، بل أمام ولادة مفهوم جديد للأمن، يجعل الاستقرار مشروعًا جماعيًا، لا أمنية مؤجلة في منطقة دفعت، طويلًا، أثمان الانقسام أكثر مما جنت ثمار التعاون.
* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن











08/07/2026 - 08:32 AM





Comments