القرامطة الجدد: قراءة في تشابه الأنماط السياسية عبر التاريخ

08/06/2026 - 16:48 PM

Your Ad Here

 

 

بقلم: فرنسوا الجردي

مقدمة: من التاريخ إلى التحليل

لا يقصد من العنوان إسقاطاً عقدياً أو طائفياً، إنما هو استخدام منهجي لمفهوم «القرامطة» كنموذج سياسي–تاريخي. ظهرت دولة القرامطة في القرن الثالث الهجري كحركة رفضت المركز السياسي القائم وأقامت سلطة موازية ذات شرعية خاصة. والسؤال المطروح هنا: هل يمكن رصد أنماط متشابهة في سلوك بعض الفواعل السياسية المعاصرة؟ هذه قراءة تحليلية مقارنة.

1. تحول مركز الشرعية: من الدولة إلى المرجعية

تاريخياً، استند القرامطة إلى شرعية دينية–ثورية خاصة بهم، ولم يعترفوا بشرعية الخلافة العباسية.

مقارنة: نلاحظ اليوم ظهور فواعل إقليمية تعتمد في قرارها الاستراتيجي والعسكري على مرجعية عقائدية عابرة للحدود، وتتقدم على مؤسسات الدولة الوطنية في ملفات الحرب والسلم.

وجه الشبه: انتقال مركز اتخاذ القرار من المؤسسة الدستورية إلى المؤسسة المرجعية.

2. النموذج الجغرافي غير المتصل: «أرخبيل النفوذ»

لم تحكم دولة القرامطة إقليماً متصلاً جغرافياً، بل سيطرت على نقاط محورية مثل البحرين والإحساء وطرق القوافل.

مقارنة: نرى اليوم محوراً إقليمياً يتكون من دول وغير دول، متباعد جغرافياً، ويربط بينه التنسيق العسكري والسياسي واللوجستي أكثر من الترابط الإقليمي المباشر.

وجه الشبه: قوة تقاس بالشبكات والوظائف لا بالاتصال الجغرافي الكلاسيكي.

3. ازدواجية المؤسسة العسكرية

قام القرامطة ببناء قوة عسكرية مستقلة عن جيش الخليفة، وكانت أداة رئيسية لفرض أجندتهم السياسية.

مقارنة: في عدد من الدول اليوم توجد قوى مسلحة منظمة تعمل خارج القيادة المركزية للجيش الوطني، ولها تمويلها وتسليحها وعقيدتها الخاصة.

وجه الشبه: تعدد مراكز القوة العسكرية داخل فضاء الدولة الواحدة.

4. الاقتصاد الموازي وآليات التمويل

اعتمد القرامطة على نظام مالي قائم على الغنائم والضرائب والسيطرة على التجارة بمعزل عن اقتصاد الخلافة.

مقارنة: تظهر اليوم كيانات تدير منافذ اقتصادية ومعابر وشبكات تمويل مستقلة عن موازنة الدولة الرسمية، وتخضع لرقابة غير حكومية.

وجه الشبه: وجود منظومة اقتصادية موازية تدعم الاستقلال السياسي والعسكري للفاعل.

5. الخطاب الإيديولوجي الثابت

ميّز الخطاب القرمطي التقسيم الثنائي للعالم بين «أهل الحق» و«أهل الباطل»، ورفض الحلول الوسط باعتبارها تنازلاً.

مقارنة: نسجل اليوم خطاباً سياسياً يقوم على ثنائية «المقاومة والاستكبار»، وينظر إلى التسويات على أنها تكتيكية لا استراتيجية.

وجه الشبه: أدلجة الصراع السياسي وتقديمه كصراع قيمي–وجودي.

خاتمة: حدود المقارنة وعبر التاريخ

يجب التنبيه إلى أن المقارنة هنا هي مقارنة لأنماط السلوك السياسي، لا مقارنة للعقائد أو المذاهب. فالقرامطة كانوا حركة إسماعيلية في القرن العاشر الميلادي، بينما يختلف السياق المعاصر جذرياً من حيث الدولة الحديثة والقانون الدولي.

الدرس التاريخي أن كل نموذج «دولة موازية» واجه في النهاية إشكاليتين أساسيتين: الشرعية الداخلية في علاقته بمؤسسات الدولة، والشرعية الإقليمية في قدرته على التعايش مع النظام الإقليمي القائم.

ويبقى السؤال المفتوح للباحثين: هل يمكن لهذه الأنماط أن تتحول من «قوة تغيير» إلى «قوة نظام» دون أن تفقد جوهرها؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment