فاروق غانم خداج *
في بلد يمرّ بأصعب أزماته الاقتصادية والاجتماعية، تبدو بعض المشاهد أكثر قسوة من قدرتها على الوصف. فبينما يكافح اللبنانيون لتأمين أبسط مقومات الحياة، ويبحث العامل عن راتب يحفظ كرامته، وينتظر الأستاذ تصحيحاً عادلاً لأجره، ويعيش العسكري تحت ضغط المسؤوليات والمخاطر، يظهر ملف رفع معاشات النواب ليطرح سؤالاً جوهرياً: أين هي الأولوية في دولة يفترض أن تكون هموم مواطنيها في مقدمة اهتماماتها؟
بحسب ما يتم تداوله حول الزيادة المرتقبة، فإن معاش النائب قد يرتفع إلى نحو ٥٠٠٠ دولار بعدما كان في حدود ٣٠٠٠ دولار، في وقت لا تزال فيه مطالب شرائح واسعة من اللبنانيين، وفي مقدمتهم العمال والأساتذة والعسكريون، تنتظر حلولاً جدية. وهنا لا يتعلق الأمر برفض تحسين أوضاع أي فئة، بل بالسؤال عن معايير العدالة وترتيب الأولويات في دولة تعاني من أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع.
إن قيمة أي قرار مالي لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بالرسالة التي يحملها إلى المواطنين. فعندما يشعر الناس بأن السلطة تتحرك بسرعة لمعالجة أوضاع أصحاب المناصب العليا، بينما تتأخر في إنصاف من يشكلون أساس الدولة والمجتمع، يتولد لديهم إحساس بأن هناك خللاً في مفهوم العدالة.
العسكري الذي يقف لحماية الوطن، ويتحمل مسؤوليات كبيرة في ظروف صعبة، لا ينبغي أن يبقى راتبه بعيداً عن الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة. والأستاذ الذي يبني الإنسان ويصنع المستقبل لا يجوز أن يبقى أسير الانتظار في بلد يحتاج قبل أي شيء إلى الاستثمار في التعليم والمعرفة. وكذلك العامل الذي يحمل عجلة الاقتصاد لا يمكن أن يُطلب منه الصمود أمام ارتفاع تكاليف الحياة من دون حماية اجتماعية عادلة.
المشكلة اللبنانية لم تعد مالية فقط، رغم خطورة الانهيار الاقتصادي، بل أصبحت مرتبطة بطبيعة العلاقة بين السلطة والمواطن. فقد ترسخ لدى كثيرين شعور بأن المؤسسات التي يفترض أن تكون مستقلة وقادرة على الرقابة أصبحت عاجزة أمام نفوذ أصحاب القرار، وأن السياسيين باتوا في كثير من الأحيان هم من يحددون مسار المؤسسات، بدل أن تكون المؤسسات هي التي تضبط أداء السياسيين.
الدولة الحقيقية لا تُبنى عندما تصبح القرارات مرتبطة بموازين القوى، بل عندما يكون القانون والمؤسسات فوق الجميع. فالعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على المبالغ نفسها، لكنها تعني وجود معايير واضحة ومنصفة تراعي المسؤولية والجهد والظروف الاقتصادية، وألا تتحول المناصب العامة إلى امتيازات منفصلة عن واقع الناس.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية. تراجعت قيمة الرواتب، تدهورت الخدمات، وازدادت الهجرة، وتراجعت ثقة المواطنين بمؤسساتهم. وفي كل أزمة جديدة، يعود السؤال نفسه: لماذا تتأخر الحلول عندما يتعلق الأمر بحقوق الفئات الأوسع من الشعب، بينما تتحرك الملفات بسرعة عندما ترتبط بأصحاب النفوذ؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن ليس الفقر وحده، بل فقدان الإحساس بالعدالة. فحين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، وأن حقوقه تحتاج إلى قوة أو نفوذ حتى تتحقق، فإن المشكلة تصبح أكبر من أزمة اقتصادية؛ تصبح أزمة ثقة بين المجتمع والدولة.
لبنان بحاجة اليوم إلى إعادة بناء مفهوم الدولة. دولة لا يكون فيها المسؤول فوق المساءلة، ولا يكون فيها المواطن مضطراً إلى البحث عن واسطة للحصول على حقه. دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة فوق الحسابات الخاصة.
إن استعادة ثقة اللبنانيين لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قرارات يشعرون بنتائجها في حياتهم اليومية. فالمنصب العام ليس امتيازاً، بل مسؤولية، والسياسة ليست وسيلة للحصول على مكاسب، بل أمانة لخدمة الناس.
وفي النهاية، ليست القضية فقط في رقم الـ٥٠٠٠ دولار، بل في المعنى الذي يحمله هذا الرقم في وجدان المواطن اللبناني. فحين يرى الناس تفاوتاً كبيراً بين من يملكون القرار ومن ينتظرون الإنصاف، يصبح السؤال مشروعاً: هل الدولة موجودة لخدمة الشعب، أم أن الشعب أصبح مطالباً بالتكيف مع قرارات الدولة؟
إن مستقبل لبنان يرتبط بقدرته على استعادة معنى العدالة، لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالاقتصاد، بل بثقة الناس بدولتهم، وشعورهم بأن كرامتهم وحقوقهم ليست أقل أهمية من أي منصب أو موقع سياسي.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني










08/06/2026 - 16:41 PM





Comments