أليف شافاك في "حليب أسود": بين صمت الإبداع ونداء الأمومة

07/26/2026 - 08:55 AM

Jonathan Amireh

 

 

كتبت  الدكتورة علياء إبراهيم 

هل يمكن للحظة الميلاد التي تُنجب فيها المرأة طفلاً وتُولد هي فيها كأم، أن تُصبح هي ذاتها بداية السقوط في هوة سحيقة من الاغتراب والصمت؟

قد يبدو السؤال صادماً للوهلة الأولى؛ فما من شك في أن لحظة ميلاد الأم مع ولادة طفلها هي إحدى أروع اللحظات الإنسانية؛ تلك اللحظة التي يمتزج فيها الفرح الفطري بشعور لا يُضاهى بامتلاك العالم بين يدين خائفتين؛ فقد منحها هذا الطفل الصغير—الذي أحبته بقلبها قبل أن تراه بعينيها—لقب "أُم"، وهو اللقب الذي تحلم به كل فتاة. غير أنه في نشوة الفرحة ذاتها، المختلطة بالآلام الجسدية الناجمة عن شهور الحمل وإرهاق الولادة، قد تجد الأم -حديثة العهد- نفسها تسقط في هوة سحيقة لا قاع لها، تقف حيرة أمام جسد يخذلها وعقل يتشتت بين مشاعر رقيقة ومسؤولية جديدة عليها.

وقد تعصف ببعض الأمهات كآبة عقب الولادة بمستويات متنوعة قد تصل إلى اكتئاب مرضي نتيجة زلزال هرموني عاصف بكل ما للكلمة من معنى؛ فعقب انفصال المشيمة مباشرة، تشهد مستويات الهرمونات هبوطاً حاداً—وهو أشد وأسرع تغيير بدني يشهده الجسد البشري—مما يلقي بظلاله المباشرة على النواقل العصبية المسؤولة عن تنظيم الحالة المزاجية.

غير أن قسوة المعاناة التي تواجه بعض هؤلاء الأمهات تكمن في أن من حولهن في بعض المجتمعات قد لا يتفهمون حقيقة ما يمررن به؛ فلا أحد يرغب في رؤية الدموع التي تنهمر من عينين غائبتين، ولا أحد يستمع إلى النبض المتسارع لقلب يغرق في ذعر وذهول لا وصف لهما. وحين يصطدم هذا الوهن الجسدي والنفسي بصخرة الثقافة المجتمعية التي تحيط الأمومة بهالة من القداسة المطلقة تتطلب من المرأة أن تتلاشى كلياً دون أنين، يتحول الجهل الاجتماعي باختلال الجسد والنفس إلى سقطة أخلاقية، ويُحصر العجز عن ممارسة الأمومة في خانة ضعف الإيمان أو الاستسلام للوساوس، لتجد الأم نفسها تخوض معركتين في آن واحد: معركة الجسد المنهك ضد التغيرات الحيوية، ومعركة النفس ضد عقدة الذنب الهدامة التي توهمها بأن ألمها تقصيرٌ في حق طفلها أو ضعفٌ في إيمانها.

من هذه الحالة التي فسرها الطب علمياً بوصفها "اكتئاب ما بعد الولادة"، تقف الروائية التركية أليف شافاك لِتُحْدِثَ تحولاً جذرياً في مسيرتها الأدبية؛ إذ ألقَتْ بكل عوالمها التاريخية والصوفية والدفاع عن الأقليات التي ميزت رواياتها الكبرى مثل "لقيطة استانبول" و"قصر الحلوى" وغيرهما، ووقفت جانباً لتنحاز إلى نداء جسدها عقب ولادتها لابنتها، متخذة من العلاج بالسرد مضاداً للاكتئاب، لتجسد هذه التجربة الوجودية في روايتها "حليب أسود".

صورة حليب أسود (الكتابة والأمومة والحريم) - اليف شافاك

بدأت مأساة أليف بانسحاب تدريجي وشعور غريب بالاغتراب عن ذاتها وعن ابنتها الرضيعة، مصحوباً بخرس إبداعي وجفاف لحبر الكتابة طال ثمانية أشهر متواصلة. وعندما تجسد الاكتئاب في رأسها على هيئة كيان مظلم أسمته "لورد بوتون"، وتعاظمت نوبات الهلع التي جعلت من الرضاعة والتواصل العاطفي أفعالاً بلا روح، جاء التشخيص الطبي ليؤكد إصابتها باكتئاب حاد ما بعد الولادة.

خاضت الأديبة التركية تجربة العلاج الدوائي لفترة قصيرة لضبط النواقل العصبية وإنقاذ جسدها من قاع الاكتئاب المظلم، لكنها أدركت أن العلاج الدوائي ليس إلا عكازاً مؤقتاً يوقف الانهيار، وأن الشفاء المستدام لا يتأتى إلا بالتواصل العميق مع ذاتها، وتفكيك الصراع الدائر بداخلها عبر فعل السرد.

ولكي تفكك الكاتبة هذا الصراع الداخلي وتتخلص من حلقة الاجترار العقلي المفرغة، لجأت إلى حيلة علاجية تتناغم في جوهرها مع فكرة الذوات المتعددة التي تسكن النفس البشرية؛ إذ حوّلت عقلها إلى خشبة مسرح وجسدت هذه الذوات في صورة ست نساء صغيرات بحجم أنملة الأصبع يُعرفن بـ "نساء الأصابع". هناك الآنسة العملية الساعية للنجاح الوظيفي، والسيدة المنعزلة الشغوفة بالفن الخالص والتي ترعبها فكرة أن الرضاعة قد تسرق عزلتها الإبداعية، والآنسة المثقفة الساخرة، في مقابل "ماما الرز بالحليب" التي تجسد الأمومة الفطرية والرغبة في التضحية والدفء الأسري، والسيدة الدرويشية التي تنشد السلام الصوفي والتسليم، والمرأة القومية الطموحة الملتزمة بقضايا مجتمعها.

لقد أدركت أليف أن الانهيار الكبير حدث بداخلها حين سيطرت "ماما الرز بالحليب" على مقاليد الحكم داخل عقلها، وسجنت بقية الشخصيات، مما جعل الاكتئاب ينفجر كصوت احتجاجي صادر من الذوات المسجونة.

إن براعة أليف في التجسيد الذكي لمشاعرها في هيئة شخصيات ذات أسماء وملامح هو جوهر التعافي النفسي؛ فبمجرد أن نمنح المشاعر المبهمة أسماءً ووجوهاً، ينفصل الشعور عن ذواتنا، ليتحول من "وحش داخلي يبتلع هويتنا" إلى شخصيات خارجية مستقلة يمكن محاورتها وترتيب فوضاها. هذه المسافة الآمنة هي التي منحت أليف شافاك القدرة على إدارة نسائها الصغيرات، وسحب السُمّية من أفكارها السوداوية وصولاً إلى الشفاء الذي لم ينتهِ بتدمير أي سيدة من (سيدات الأصابع)، بل بقبول وإدارة تلك التعددية الذاتية؛ إذ رفضت أليف المفاضلة الصارمة بين الفن والحياة، فلم تفرّ من الأمومة كما فعلت الكاتبة والفيلسوفة سيمون دي بوفوار، ولم تدع التمزق الداخلي يبتلعها حتى الانتحار كما حدث للكاتبتين (سيلفيا بلاث) و(فيرجينيا وولف)، واللاتي استشهدت بهن جميعاً لتستحضر تجاربهن الأدبية في الرواية.

أدركت أليف في رحلة التشافي أن المصالحة التاريخية ممكنة بين الحليب الأبيض والحبر الأسود، وأن الحبر لا يسرق الأم من طفلها بل يحرر الحليب. وهنا فقط سال الحليب من الثدي نقياً بلا سواد، وتدفق الحبر من القلم على أوراق الإبداع، لتثبت رواية (حليب أسود) أن المرأة المبدعة قادرة على أن تحمل طفلها بإحدى يديها، وتكتب باليد الأخرى أجمل رواياتها.

ولا تقف القيمة الشفائية لهذا النص عند حدود التجربة الذاتية لكاتبته، بل تتعداها لتشكل طوق نجاة لكل أم تعاني في صمت ولا تملك القدرة على الحكي والبوح؛ وهنا تحديداً يتجلى جوهر العلاج بالقراءة. إن القراءة التفاعلية تجعل من (حليب أسود) بديلاً سردياً ينطق بما عجزت الأمهات عن صياغته؛ فهي تمنح الألم المبهم مفردات دقيقة تجعل المريضة قادرة على شرح ما يدور في رأسها لمن حولها دون مشقة أو خجل، كما تمنحها رمزية آمنة للتعبير؛ إذ يكفي الأم أن تؤشر إلى إحدى شخصيات الرواية وتقول: "إن هذه (السيدة الأنملة) الباكية هي التي تسكن رأسي اليوم".

إن رواية (حليب أسود) ليست مجرد سرد لرحلة الكاتبة للنجاة من صراعها بعد الولادة، بل هي تجسيد لتضارب الأدوار الذي يعيشه كل إنسان في ظل هذا العصر المشحون بالضغوط. ولئن كانت الكتابةُ هي المصل الشافي لأديبةٍ تملك قلمها، فإن هذا النص السردي (حليب أسود) يبقى أثراً إنسانياً شاسعاً يخاطب كل روحٍ تحاول اليوم تحقيق التوازن الصعب بين متطلبات الواقع وموجبات الشغف والحرية الشخصية؛ ليؤكد أن لكلٍّ منا أدواته في ممارسة التعافي، سواءٌ أكان ذلك عبر الحوار الكاشف، أم اللجوء للتأمل والسكينة، أم البوح الشفاف الذي يعيد ترتيب فوضى أفكارنا ومشاعرنا.

فهل لدى الإنسان- في عصرنا هذا- الوقت والجرأة لينصت إلى ذاته، ويعقد هدنة أحياناً وتصالحاً أحياناً أخرى بين تلك الأصوات المتصارعة في داخله؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment