شبل الزغبي
حين كتب صموئيل هنتنغتون عن “صراع الحضارات”، غضب كثيرون. اتهموه بالتبسيط والتحريض. لكن المشكلة لم تكن في نظريته… بل في أننا قررنا أن نحوّلها إلى واقع يومي.
في لبنان، لا نعيش صراع سياسات، نعيش صراع هويات مذعورة. كل طائفة تبني سرديتها على خوف قديم، وتُربّي أبناءها على ذاكرة مثقوبة بالدم. والمدرسة لم تُعلّم الوطن يوماً، بل علّمت الطائفة أن تُبرّر نفسها على حساب الوطن. السلطة ليست عقداً اجتماعياً، بل هدنة مسلحة بين روايات متناقضة. وحين تهتز المصالح، تعود الهويات إلى خنادقها أسرع من عودة السياسيين إلى حساباتهم المصرفية.
يقولون إن أزمتنا اقتصادية. هذا ليس كل الحقيقة. الاقتصاد ينهار لأن الهوية منكسرة. الدولة تتفكك لأن الانتماء فيها خارجي قبل أن يكون للوطن. نحن لا نختلف على خطط إصلاح، نحن نختلف على تعريف الوطن نفسه: من هو؟ لمن هو؟ وتحت أي راية يجب أن يُرفع؟
في الشرق الأوسط، تُختزل الحروب في النفط والحدود. لكن الحقيقة أشد قسوة: الناس تُقاتل دفاعاً عن صورة نفسها في المرآة.
السنة والشيعة، صراع مذهبي يُدار بسياسة.
العرب والفرس والأتراك، صراع قوميات بثياب دينية.
الإسلام السياسي في مواجهة الدولة، صراع على شكل الحكم.
المسيحيون والدروز في صراع وجودي مزدوج: بين التهميش في الداخل والهجرة القسرية إلى الخارج. واليهود في قلب صراع مفتوح مع محيط يرفضهم، ومع ذاكرة تاريخية تُستَحضر في كل مواجهة.
كلها عناوين لصراع أعمق: من يملك تعريف “الحق”، من يحتكر “الله”، ومن يفرض “التاريخ”.
النخب تعرف هذا جيداً. لذلك تُغذّي الانقسام وتبيعه كقدر. تخوّف جمهورها من الآخر صباحاً، ثم تتحدث عن التعايش مساءً، أمام الكاميرات. هم لا يريدون حسم الهوية… لأن ضبابها هو مصدر سلطتهم. وما يُغري هذه النخب على الاستمرار، أن ثمة من يدفع الثمن من الخارج. عواصم الإقليم لا تصدّر الصراع إلينا بالقوة ، هي تجد هنا سوقاً جاهزة ورجالاً يبيعون هوياتهم بالجملة.
لكن الحقيقة التي لا يريد أحد سماعها هي الآتية:
الصراع ليس قدراً.
التحريض هو القدر الذي نصنعه كل يوم.
لبنان ليس ضحية تنوّعه، بل ضحية من حوّل التنوع إلى سلاح. لسنا محكومين فقط بلعنة حضارات متصارعة، بل بلعنة قيادات لا تعيش إلا على حافة الهاوية.
إن أردنا إسقاط نظرية الصدام، فعلينا أولاً إسقاط تجّار الصدام. والسؤال الذي نهرب منه: من يُعيد انتخاب تجّار الصدام؟ من يملأ ساحاتهم؟ من يشارك تغريداتهم؟ ألَسنا نحن ؟
…وإلا سنبقى، جيلاً بعد جيل، نثبت أن هنتنغتون كان يقرأنا… أكثر مما كنّا نقرأ أنفسنا.











07/18/2026 - 07:08 AM





Comments