رشيد ج. مينا
لا يمكن فهم ما يعيشه المجتمع اللبناني اليوم من مظاهر فوضى وعنف وتراجع في احترام القانون، من دون العودة إلى المسار الذي سلكه لبنان منذ أن دخل النفق قبل أكثر من خمسة عقود، وتحول تدريجيًا إلى ساحة لصراعات الآخرين ومحاورهم المتنافسة على النفوذ والمصالح.
فالمجتمع لا يتفكك بين ليلة وضحاها، ولا تتحول الفوضى إلى سلوك يومي من دون أسباب عميقة. فمنذ سنوات طويلة، عاش اللبنانيون في ظل غياب دولة فعلية قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وفي ظل ضعف المؤسسات الوطنية، وغياب قضاء مستقل ونزيه، وهيمنة قوى الحرب على القرار السياسي، وفرض معادلات القوة والسلاح تحت عناوين متعددة، كان أبرزها المقاومة ومواجهة إسرائيل. كما عاش لبنان أكثر من ثلاثة عقود تحت وصاية النظام السوري، بما تركته تلك المرحلة من آثار عميقة على مؤسسات الدولة والحياة السياسية والإدارية.
وعندما يغيب القانون، يصبح من الطبيعي أن يبحث الناس عن بدائل له، وأن تحل الجماعة محل الدولة، والعصبية محل المؤسسة، والقوة محل العدالة.
ولهذا لم يعد مستغربًا أن نقرأ يوميًا أخبارًا عن مجموعات تمسك بشخص بتهمة السرقة فتقوم بتعذيبه وربطه في الشارع وتصويره ونشر صوره على وسائل التواصل قبل تسليمه إلى القوى الأمنية، أو عن مجموعات تحتجز أشخاصًا بحجة انتمائهم إلى جهة معينة ثم تمارس بحقهم الضرب والإهانة قبل تسليمهم إلى السلطات، أو عن الاعتداء على القوى الشرعية أثناء تنفيذها قرارات إزالة المخالفات، أو اقتحام مدرسة والاعتداء على إدارتها بسبب خلاف مع أحد المعلمين، أو تحطيم متجر لأن صاحبه رفض دفع إتاوة، أو انتشار جرائم المخدرات والدعارة، أو العثور على أطفال حديثي الولادة بالقرب من حاويات النفايات، إلى جانب البطالة والفقر واتساع ثقافة الاتكال واليأس في ظل واقع اقتصادي بالغ الصعوبة.
قد تبدو هذه الوقائع متفرقة، لكنها في الحقيقة تعبر عن أزمة واحدة، هي تراجع هيبة الدولة وضعف سلطة القانون. فعندما يفقد المواطن ثقته بأن الدولة قادرة على حمايته وإنصافه، يبدأ بالبحث عن العدالة بوسائله الخاصة، وعندها تتحول الفوضى إلى ثقافة، ويتراجع الاحتكام إلى المؤسسات لمصلحة الاحتكام إلى القوة والنفوذ والعلاقات.
ولهذا فإن الحديث عن إعادة بناء الدولة لا يقتصر على إصلاح الإدارات أو تحسين الأداء الاقتصادي، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان نفسه. فلبنان يحتاج إلى نظام تعليمي حديث يرسخ مفهوم الدولة، والمواطنة، وسيادة القانون، والوحدة الوطنية، ويعرّف الأجيال على معنى الديمقراطية وآليات ممارستها، ويغرس ثقافة الحقوق والواجبات، ويميز بين الالتزام الديني بوصفه حقًا شخصيًا وحرية مكفولة، وبين الانتماء الوطني بوصفه الإطار الجامع لجميع المواطنين، كما يعزز قيم الاستقلالية ويرفض كل أشكال التبعية والاستزلام.
كما أن تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي يبقى هدفًا وطنيًا لا نقاش فيه، لكنه لا يكتمل من دون تحرير القرار الوطني من كل أشكال الوصاية والإملاءات الخارجية، أيًا كان مصدرها، ومن دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، لأن هذه ليست شعارات سياسية، بل شروط وجودية لبقاء الدولة نفسها.
فكيف نطلب من المواطن أن يحترم دولة لم يعش في ظلها فعلًا؟ وكيف نطالبه بالإيمان بسيادة القانون وهو لم يختبر عدالة ناجزة؟ وكيف نحدثه عن النزاهة والشفافية وهو يرى الفساد والمحسوبية يتقدمان على الكفاءة والاستحقاق؟
إن إعادة بناء لبنان ليست مجرد عملية سياسية أو اقتصادية، بل هي مشروع لإعادة بناء الدولة والإنسان معًا. فلا مجتمع منظمًا من دون دولة قوية، ولا دولة قوية من دون قانون يعلو على الجميع، ولا قانون فاعلًا من دون قضاء مستقل وعادل، ولا مستقبل للبنان ما لم يستعد المواطن ثقته بأن الدولة وحدها هي المرجعية التي تحمي الحقوق، وتصون الحريات، وتحقق العدالة، وتساوي بين جميع أبنائها.










07/02/2026 - 10:43 AM





Comments