الخوري الدكتور نبيل مونس
في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب، وتضيق فيه الجغرافيا على أهلها، وتتشابك فيه مصالح الدول فوق خرائط الشعوب، يبقى الشرق الأوسط مساحةً لا تشبه غيرها. هنا، حيث وُلدت الرسالات، وتقاطعت الحضارات، وتجاورت الأديان، يتجدّد السؤال القديم - الجديد: ما هو دور المسيحيين في هذا الشرق؟ وهل لا يزال حضورهم قادرًا على التأثير في مسار الأحداث؟
هذا السؤال لا يطرحه المسيحيون وحدهم، بل يطرحه الشرق كلّه، لأن الوجود المسيحي ليس تفصيلاً ديموغرافيًا، بل جزءًا من هوية المنطقة، وركنًا من أركان توازنها، وصوتًا لا يمكن إسكاته مهما اشتدّت العواصف.
لبنان… آخر مساحة للعيش المشترك الحقيقي
في قلب هذا الشرق، يقف لبنان كحالة استثنائية. ليس لأنه بلد صغير المساحة، بل لأنه بلد كبير في رمزيته. فيه تلتقي الطوائف لا كجماعات متناحرة، بل كشركاء في صيغة فريدة، جعلت من هذا الوطن نموذجًا للعيش المشترك، رغم كل ما مرّ عليه من حروب واهتزازات.
المسيحيون في لبنان ليسوا مجرد مكوّن، بل شريك مؤسّس في الدولة، وفي الدستور، وفي الفكرة نفسها. منذ فجر الاستقلال، لعبوا دورًا محوريًا في بناء المؤسسات، وفي إطلاق النهضة الثقافية، وفي تأسيس الصحافة، والجامعة، والطبابة والتعليم. ولم يكن هذا الدور ترفًا، بل ضرورة لبقاء لبنان نفسه.
اليوم، ورغم الهجرة، والانهيار الاقتصادي، والضغوط السياسية، يبقى المسيحيون في لبنان صوتًا وازنًا، يرفض الانزلاق إلى الفوضى، ويصرّ على حماية الدولة، وعلى التمسّك بالسيادة، وعلى الدفاع عن صيغة الشراكة التي جعلت من لبنان مساحة حرّة في محيط مضطرب.
المسيحيون في الشرق… جذور ضاربة في التاريخ
من القدس إلى أنطاكية، ومن عمّان إلى بيت لحم والناصرة، ومن الموصل إلى صيدا وصور، ومن دمشق إلى القاهرة، يشكّل المسيحيون جزءًا أصيلًا من تاريخ المنطقة. هم الذين أسّسوا المدارس الأولى، وفتحوا المستشفيات، وأطلقوا الصحف، وأسهموا في النهضة العربية، وكانوا في طليعة المدافعين عن الحرية والكرامة الإنسانية.
وفي الأردن، حيث يشكّل المسيحيون أحد أعمدة الهوية الوطنية الحديثة، لعبوا دورًا محوريًا في التعليم والصحة والدبلوماسية، وأسهموا في ترسيخ نموذج التعايش الذي يميّز المملكة.
أما في فلسطين، مهد المسيحية وموطن كنيسة القيامة والمهد، فقد كان المسيحيون عبر القرون شهودًا على التاريخ، وحماةً للهوية الروحية للمدينة المقدسة، وشركاء في النضال من أجل الحرية والعدالة.
ورغم ما تعرّضوا له من تهجير واضطهاد في بعض المراحل، بقي حضورهم عنيدًا، يشبه شجرة الزيتون التي لا تموت مهما اشتدّ الجفاف، ويستمرّون في حمل رسالة السلام والرجاء في أرضٍ أنهكتها الصراعات لكنها لم تفقد قدرتها على النهوض.
اليوم، يواجه المسيحيون في الشرق تحديات كبيرة:
- تراجع الأعداد بسبب الهجرة
- صعود التطرف في بعض المناطق
- انهيار الدول وتحوّل بعض المجتمعات إلى ساحات صراع بين القوى الكبرى
لكن رغم ذلك، يبقى دورهم أساسيًا في حماية التنوّع، وفي الدفاع عن قيم الحرية، وفي بناء جسور الحوار بين المكوّنات.
أجراس الكنائس… صوتٌ يتجاوز الدين
في لحظات الخوف، حين يعلو صوت المدافع، تبقى أجراس الكنائس في الشرق صوتًا آخر. صوتًا يذكّر بأن الحياة أقوى من الموت، وأن الإيمان أقوى من السلاح، وأن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية. هذه الأجراس التي قرعت في بيروت خلال الحرب الأهلية، وفي الموصل خلال الاحتلال، وفي القدس رغم القيود، وفي صيدا وطرابلس وزحلة، لم تكن مجرد طقس ديني، بل إعلان صمود.
إنها تقول للعالم: إن الشرق ليس أرضًا للدمار فقط، بل أرضًا للرجاء. وأن المسيحيين، رغم كل ما مرّ عليهم، لا يزالون هنا، يرفعون صوتهم من أجل السلام، ويذكّرون بأن الإنسان أهم من كل الحسابات السياسية.
البابا ليو… رؤية روحية وسياسية لدور المسيحيين في الشرق
في كلمته الأخيرة حول الشرق الأوسط، قدّم البابا ليو الرابع عشر رؤية لافتة تتجاوز حدود الوعظ الروحي لتلامس عمق الأزمة التي يعيشها الشرق. فقد شدّد على أن المسيحيين ليسوا أقلية تبحث عن حماية، بل رسالة تبحث عن تجديد دورها في مجتمع يتغيّر بسرعة.
ورأى أن الشرق، بكل جراحه، لا يزال المكان الذي يمكن أن تنطلق منه مبادرات سلام حقيقية، شرط أن يبقى المسيحيون ثابتين في أرضهم، فاعلين في مجتمعاتهم، وشركاء في صناعة المستقبل.
وقال البابا ليو في مقطع لافت من كلمته إن "المسيحيين في الشرق ليسوا بقايا تاريخ، بل خميرة رجاء. وإذا انطفأ نورهم، يخسر الشرق أحد أهم مصادر توازنه الروحي والإنساني"، هذه العبارة لم تكن مجرد توصيف، بل نداء عالمي إلى المجتمع الدولي كي لا يسمح بانهيار التنوّع الذي ميّز المنطقة عبر قرون.
كما دعا البابا إلى دعم لبنان بشكل خاص، معتبرًا أن استمرار الصيغة اللبنانية هو ضمانة لبقاء التعددية في الشرق، وأن حماية المؤسسات، وعلى رأسها الجيش، ليست مسألة سياسية فحسب، بل واجب أخلاقي تجاه نموذج العيش المشترك.
ولم يكتفِ البابا ليو بالتحليل، بل ذهب أبعد حين قال إن أجراس الكنائس في الشرق يجب أن تبقى تقرع، لا لتعلن الطقوس فحسب، بل لتذكّر العالم بأن السلام يبدأ من احترام الإنسان، وأن الحرب لا تبني أوطانًا، بل تدمّرها.
بهذه الروح، وضع البابا دور المسيحيين في إطار يتجاوز الدفاع عن الذات، ليصبح مشاركة في بناء السلام، وصونًا للهوية، وتجديدًا للرسالة التي انطلقت من هذه الأرض قبل ألفي عام.1. دبلوماسية السلام
الفاتيكان اليوم هو الصوت الأكثر وضوحًا في الدعوة إلى وقف الحروب، وإلى حماية الأبرياء، وإلى احترام كرامة الإنسان.
لا يتحدث البابا بلغة السياسة، بل بلغة الأخلاق، وهذا ما يجعل صوته مسموعًا في الشرق والغرب.
2. الدفاع عن لبنان
لم ينسَ العالم بعد كلمات البابا يوحنا بولس الثاني: "لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة"، هذه العبارة تحوّلت إلى مرجعية، وإلى التزام أخلاقي لدى الفاتيكان. واليوم، يواصل البابا ليو الرابع عشر هذا النهج، داعيًا إلى حماية لبنان من الانهيار، وإلى دعم مؤسساته، وإلى الحفاظ على صيغة العيش المشترك.
3. الدعم الإنساني والتربوي
من خلال مؤسسات كنسية منتشرة في لبنان وسوريا والعراق ومصر والأردن وفلسطين، يقدّم الفاتيكان دعمًا غذائيًا، تربويًا، وصحيًا، يساعد آلاف العائلات على الصمود.
4. الحوار الإسلامي–المسيحي
يرى البابا أن مستقبل الشرق لا يُبنى إلا بالشراكة بين المسلمين والمسيحيين. ولهذا، يصرّ على الحوار، وعلى بناء الثقة، وعلى مواجهة خطاب الكراهية، وعلى التأكيد أن الدين يجب أن يكون جسرًا لا جدارًا.
المسيحيون… قوة توازن لا يمكن تجاوزها
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل الحروب من غزة إلى جنوب لبنان، ومن العراق إلى اليمن، يبرز الدور المسيحي كقوة توازن. ليس لأن المسيحيين يمتلكون السلاح، بل لأنهم يمتلكون القدرة على بناء الجسور.
في لبنان، يشكّل المسيحيون عنصرًا أساسيًا في حماية الدولة، وفي منع انهيار المؤسسات، وفي الدفاع عن السيادة.
وفي الشرق، يشكّلون ضمانة للتنوّع، وللاستقرار، وللحوار.
بين الحرب والسلام… أين يقف المسيحيون اليوم؟
في ظلّ التصعيد العسكري في المنطقة، من لبنان إلى غزة، يجد المسيحيون أنفسهم أمام مسؤولية مضاعفة:
- الدفاع عن الإنسان
- حماية الضعفاء
- الدعوة إلى وقف النار
- رفض تحويل الشعوب إلى وقود للحروب
- التمسّك بالسلام كخيار استراتيجي
هذا الدور لا يقوم به المسيحيون وحدهم، بل تشاركهم فيه الكنائس، والبطاركة، والمطارنة، والمؤسسات الروحية التي ترفع الصوت يوميًا من أجل حماية الحياة.
الشرق يحتاج إلى المسيحيين… والمسيحيون يحتاجون إلى الشرق
لا يمكن تخيّل الشرق بلا مسيحيين. ولا يمكن تخيّل المسيحية بلا الشرق. فالشرق هو مهد المسيحية، وهو المكان الذي انطلقت منه الرسالة، وهو الأرض التي لا تزال تحتفظ بذاكرة الرسل والقديسين. والمسيحيون، بدورهم، يحتاجون إلى الشرق ليبقوا جزءًا من تاريخهم، ومن هويتهم، ومن رسالتهم.
أجراس الكنائس ستبقى تقرع
مهما اشتدّت الحروب، ومهما تعاظمت الضغوط، ومهما حاول البعض تغيير وجه المنطقة، ستبقى أجراس الكنائس تقرع. ستقرع من أجل السلام، ومن أجل الإنسان، ومن أجل لبنان، ومن أجل الشرق الذي لا يموت.
ستقرع الاجراس لتقول للعالم إن هذا الشرق، رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على النهوض. وأن المسيحيين، رغم كل التحديات، لا يزالون هنا، يحملون نور الرجاء، ويكتبون فصلًا جديدًا من تاريخ المنطقة، بإيمان لا ينطفئ، وبصمود لا ينكسر، وبمحبة أقوى من كل الحروب.










03/11/2026 - 23:46 PM





Comments