مسيحيو جنوب لبنان بين النار والمهجر: دعوة لحماية دولية بعد استشهاد الأب بيار الراعي

03/11/2026 - 07:46 AM

Bt adv

 

 

كتب الخوري نبيل مونس

في لحظة يختلط فيها الحزن بالغضب، وبعد خبر مقتل الأب بيار الراعي بقذيفة يُنسب سقوطها إلى القصف الإسرائيلي، تتجلى الحاجة الملحّة إلى تحرك دولي فوري وحقيقي لحماية القرى المسيحية في جنوب لبنان. لم يعد الحديث عن بيانات تضامن أو عبارات مواساة كافياً أمام واقع يفرض على عائلات كاملة أن تختار بين البقاء على أرض الأجداد أو الرحيل إلى المجهول. الصمود الذي يبديه أهل هذه القرى ليس مجرد مقاومة للمخاطر المادية، بل هو تعبير عن ذاكرة جماعية، عن كنائس ومقامات وذكريات أجيال، وعن نسيج اجتماعي هشّ قد يتبدد إذا لم تُتخذ إجراءات حماية ملموسة وسريعة.

نداءنا اليوم ليس دعوة رمزية، بل خطة عمل إنسانية وسياسية وأمنية متكاملة. أولاً، يجب أن تتولى الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية حماية المدنيين دوراً فاعلاً عبر نشر آليات مراقبة دولية مستقلة فوراً في المناطق الحدودية الأكثر عرضة للخطر، مع ضمان وصول فرق الحماية المدنية والإغاثة دون عوائق. وجود مراقبين دوليين وفرق طبية وإنسانية على الأرض لا يقتصر على توثيق الانتهاكات فحسب، بل يمنح السكان شعوراً عملياً بالأمان ويحد من منطق الاستهداف العشوائي. ثانياً، مطلوب إنشاء ممرات إنسانية آمنة وإجراءات إجلاء طارئة منظمة تحت إشراف دولي، مع خطط لإعادة النازحين إلى قراهم فور تهيئة شروط العودة الآمنة، بما في ذلك تعويضات مادية وإعادة تأهيل المنازل والبنى التحتية المتضررة.

ثالثاً، لا بد من مطالبة الفاتيكان والبطاركة الكاثوليك والأرثوذكس بلعب دور دبلوماسي فاعل ومباشر. صوت الكنيسة المحلية والكرسي الرسولي يمكن أن يفتح قنوات ضغط دولية وسياسية لا يستهان بها، ويضع حماية الأماكن الدينية والقيادات الروحية على سلم الأولويات الدولية. كما أن تفعيل دور البطاركة في التنسيق مع منظمات الإغاثة الدولية يمكن أن يسرّع وصول المساعدات ويعزز من قدرة المجتمعات المحلية على الصمود دون أن تضطر إلى هجر قسري.

رابعاً، يجب أن تتضمن أي مبادرة حماية دولية بنداً واضحاً لإبعاد أي نشاطات مسلحة عن محيط التجمعات السكنية والمدنية. إن وجود عناصر أو مواقع عسكرية قرب القرى يجعل المدنيين أهدافاً عرضية أو مقصودة، ويحولهم إلى رهائن في صراع لا علاقة لهم به. لذلك، على المجتمع الدولي أن يطالب بتعهدات ملموسة من جميع الأطراف بضرورة فصل المدنيين عن العمليات العسكرية، وإزالة أي بنى أو مواقع عسكرية من محيط القرى غير المسلحة، مع آليات تحقق ومساءلة واضحة.

خامساً، لا يمكن فصل البعد الأمني عن البعد القانوني. يجب فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في كل حادثة سقوط ضحايا مدنيين، بما في ذلك مقتل رجال دين وشخصيات مدنية بارزة، وأن تُعرض نتائج هذه التحقيقات على جهات قضائية دولية عند الاقتضاء. المساءلة القانونية ليست انتقاماً، بل وسيلة لردع تكرار الانتهاكات وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب، كما أنها تشكل جزءاً من العدالة التي تطالب بها عائلات الضحايا والمجتمع بأسره.

سادساً، على الدول المانحة والمؤسسات الدولية تخصيص حزم دعم اقتصادي عاجلة لإعادة تأهيل القرى المتضررة، وإطلاق برامج تنموية تعيد الحياة إلى اقتصادها المحلي. فقدان مصدر الرزق هو أحد أهم دوافع النزوح الدائم، لذا فإن دعم الزراعة، إعادة فتح المدارس، وتأمين فرص عمل مؤقتة ودائمة، كلها عناصر أساسية لضمان عودة كريمة ومستدامة للسكان.

أخيراً، لا بد من خطاب دولي واضح يرفض أي محاولات تهجير ديموغرافي أو تغيير تركيبة المجتمعات بالقوة. حماية التنوع الطائفي والديني في لبنان ليست مسألة داخلية فحسب، بل قضية إنسانية وإقليمية تتعلق باستقرار البلد والمنطقة. المجتمع الدولي، بما في ذلك الفاتيكان والبطاركة، والهيئات الحقوقية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، مدعوون اليوم إلى اتخاذ موقف عملي يترجم النداءات إلى إجراءات ملموسة: مراقبة، حماية، تحقيق، دعم، وضمانات عودة.

مسيحيو الجنوب اللبناني يستحقون حماية حقيقية لا تقتصر على كلمات في بيانات أو عناوين صحفية. إن مقتل الأب بيار الراعي يجب أن يكون جرس إنذار يدفع العالم إلى التحرك بجدية ومسؤولية. إنقاذ القرى المسيحية وحماية المدنيين في الجنوب ليس خياراً سياسياً فحسب، بل واجب إنساني وأخلاقي يتطلب تضافر الجهود الدولية والمحلية الآن، قبل فوات الأوان

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment