رشيد ج. مينا
كثيرًا ما نسمع من البعض مغالطات وافتراءات، واحتكارًا لصفة المقاومة والنضال والشجاعة والبطولة، في طرحٍ فوقيٍّ لا ينسجم مع جوهر المقاومة الحقيقية التي وُجدت لتعبّر عن إرادة الشعب وقراره في مواجهة الاحتلال الصهيوني والانتصار لقضية فلسطين، بوصفها قضية تحرّر وعدل وحق، وبوصلة النضال العربي والإسلامي.
إنّ المقاومة في لبنان وُلدت من رحم البيئة الشعبية الوطنية، من معاناة الناس وتضحياتهم، غير أنّها ما لبثت أن انحرفت تدريجيًّا عن مسارها، حين استقرّت في الحضن الإيراني، فتمذهبت وتغرّبت عن عمقها الوطني والعربي، لتصبح أداة في خدمة برنامج إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية ولا بالقضية الفلسطينية إلّا بقدر ما تخدم مشروع "وحدة الساحات" الذي دمّر العراق وسوريا واليمن ولبنان وشتّت شعوبها.
ويطلّ علينا اليوم أصحاب الخطابات الخشبية والشعارات الجوفاء، منكِرين للواقع الذي أوصلت إليه تلك السياسات حال الجنوب ولبنان عمومًا من انهيار اقتصادي وتفكّك اجتماعي وضياع مؤسسات الدولة.
إنّ حصرية السلاح بيد الدولة وقواها الشرعية ليست ترفًا سياسيًّا، بل ضرورة وطنية حتمية لاستعادة القرار والسيادة، ولإعادة بناء مؤسسات الدولة القادرة على حماية لبنان من العدوان الصهيوني ومن مشاريع التفتيت الأمريكية – الإسرائيلية التي تتخفّى خلف عناوين “السلام” و“إنهاء الصراع” و“الاتفاقات الإبراهيمية”، وهي في جوهرها تكريسٌ للهيمنة الأمريكية والنفوذ الإسرائيلي على المنطقة وثرواتها.
في العمق، يُدرك الأميركيون أن أي تسوية في لبنان لا يمكن أن تتجاوز المكوّن الشيعي، لا عدديًا ولا سياسيًا ولا ميدانيًا. فالتجربة التاريخية منذ التحرير عام 2000 مرورًا بإعادة الإعمار بعد حرب 2006، أثبتت أن الجنوب اللبناني – بمزيجه المقاوم والمجتمعي – بات معادلة قائمة بذاتها لا يمكن تفكيكها أو تجاوزها. ومن هنا يأتي التحول الأميركي الحالي، ليس فقط من باب العقوبات أو الضغط، بل من باب البحث عن ضمانات لحماية الطائفة الشيعية نفسها من الانزلاق نحو العزلة أو المواجهة المفتوحة، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى إبقاء لبنان في دائرة الاستقرار النسبي لحماية مصالحها الأوسع في شرق المتوسط. وهكذا، فإن الموقف الأميركي الجديد لا يعكس بالضرورة تبدّلًا في المبادئ، بل في الأولويات:
من منطق "الاحتواء بالعقوبات" إلى منطق "الضبط بالتفاهمات"، ومن سياسة إدارة الصراع إلى محاولة إعادة هندسة التوازنات، حيث تُترك مساحة لإعادة الإعمار وإحياء مؤسسات الدولة ضمن حدود لا تمس جوهر النفوذ القائم ولا تستفز من يملكه.
لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يمكن للبنان أن يتحرر فعلاً من كونه مجرد مساحة لتقاطع المصالح؟
الجواب رهنٌ بقدرة اللبنانيين – جميع اللبنانيين – على أن يلتقطوا لحظة التبدّل الدولي لا ليستثمروا فيها بالولاءات، بل ليعيدوا بناء دولتهم على أساس المصلحة الوطنية، لا المذهبية ولا الخارجية.
لقد سقطت المقاومة يوم تمذهبت وتموضعت خارج حدود الوطن، وفقدت بوصلتها القومية. أمّا المقاومة الحقيقية فهي تلك التي تعبّر عن إرادة الشعب وتنبع من رحم الدولة الوطنية، لا من حسابات الخارج ولا من أوهام القوة المذهبية.
إنّ لبنان لا يُحمى بخطابات الغلبة ولا بتصنيع عدوٍّ داخلي، بل بوحدة اللبنانيين تحت راية الدولة ومؤسساتها الشرعية، وبانتماء وطني صادق يضع مصلحة الوطن فوق كل الولاءات.
المقاومة الأصيلة هي مقاومة بناء لا هدم، مقاومة علمٍ ووحدةٍ وعدالةٍ، لا ارتهانٍ وتبعية. وحين يعود السلاح إلى حضن الدولة، يعود الوطن إلى حضن أبنائه، وتُستعاد الكرامة التي لا يصونها سوى شعبٍ حرٍّ ودولةٍ سيدةٍ ومؤسساتٍ عادلةٍ جامعة.










03/11/2026 - 06:47 AM





Comments