ماذا لو انسحبت أميركا وتركت حلفاءها في مواجهة العاصفة؟

03/11/2026 - 06:36 AM

Bt adv

 

 

 المحلل والناقد السياسي فرنسوا الجردي

في خضمّ التصعيد العسكري المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يطرح بعض المراقبين سؤالاً بالغ الحساسية: ماذا لو قررت واشنطن فجأة تقليص انخراطها العسكري المباشر أو سحب جزء كبير من أساطيلها وقواتها من مسرح المواجهة مع طهران؟ ماذا سيكون مصير الحلفاء الإقليميين، وخصوصاً دول الخليج التي تجد نفسها في قلب الجغرافيا السياسية لهذه الحرب؟

هذا السيناريو، وإن بدا للبعض افتراضياً، ليس مستحيلاً في عالم السياسة الدولية، حيث تحكم المصالح لا العواطف، وتتبدّل التحالفات وفق حسابات القوة والكلفة.

أولاً: منطق المصالح الأميركية

تاريخ السياسة الخارجية الأميركية يُظهر بوضوح أن واشنطن لا تخوض الحروب إلا عندما ترى أن مصالحها الحيوية مهددة مباشرة. فإذا شعرت الإدارة الأميركية بأن كلفة الحرب مع إيران قد تتجاوز مكاسبها، أو أنها قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة، فقد تلجأ إلى إعادة تموضع استراتيجي يخفف انخراطها العسكري المباشر.

الولايات المتحدة اليوم تواجه تحديات عالمية متعددة، من المنافسة مع الصين إلى الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى ضغوط داخلية اقتصادية وسياسية. لذلك فإن أي إدارة أميركية قد تفكر في تجنب التورط في حرب إقليمية واسعة في الشرق الأوسط قد تستنزف مواردها لسنوات طويلة.

ثانياً: الصدمة الخليجية المحتملة

في حال حدوث انسحاب أميركي مفاجئ أو تخفيض كبير للدعم العسكري، ستجد دول الخليج نفسها أمام واقع استراتيجي جديد. فهذه الدول بنت جزءاً أساسياً من منظومة أمنها على المظلة العسكرية الأميركية، سواء عبر القواعد العسكرية أو منظومات الدفاع الصاروخي أو التحالفات الأمنية.

غياب هذه المظلة، ولو جزئياً، قد يخلق حالة ارتباك استراتيجي، لأن الحرب مع إيران ليست حرباً تقليدية محدودة، بل صراع ذو أبعاد إقليمية معقدة يمتد عبر شبكة من الحلفاء والقوى غير النظامية المنتشرة في المنطقة.

ثالثاً: إعادة رسم التوازنات الإقليمية

انسحاب أميركي من ساحة المواجهة سيؤدي حكماً إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. إيران ستعتبر ذلك انتصاراً استراتيجياً كبيراً يعزز موقعها الإقليمي، فيما ستسعى القوى الإقليمية الأخرى إلى إعادة ترتيب سياساتها الدفاعية وربما البحث عن شراكات دولية جديدة مع قوى كبرى مثل الصين أو روسيا.

في المقابل، قد تتجه بعض الدول الخليجية إلى خيار أكثر براغماتية يقوم على خفض التوتر مع طهران وفتح قنوات حوار مباشرة معها، انطلاقاً من قاعدة بسيطة في العلاقات الدولية: عندما تتراجع الضمانات الخارجية، يصبح الحوار مع الخصم خياراً عقلانياً لتجنب الانفجار.

رابعاً: درس قاسٍ في السياسة الدولية

السيناريو المفترض يسلط الضوء على حقيقة قديمة في العلاقات الدولية: لا يوجد حليف دائم، بل مصالح دائمة. الدول الكبرى قد تدعم حلفاءها طالما أن ذلك يخدم استراتيجيتها، لكنها قد تعيد حساباتها عندما تتغير المعادلات.

ولذلك فإن الاعتماد الكامل على مظلة خارجية في قضايا الأمن القومي يبقى دائماً خياراً محفوفاً بالمخاطر، لأن قرارات الحرب والسلم في نهاية المطاف تُتخذ في عواصم تلك القوى الكبرى، لا في العواصم التي تعتمد عليها.

خامساً: شرق أوسط أمام مرحلة جديدة

إذا تحقق سيناريو الانسحاب الأميركي، فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة انتقالية دقيقة تتسم بإعادة توزيع النفوذ الإقليمي. قد نشهد سباق تسلح أكبر، أو في المقابل مساعي دبلوماسية جديدة لخفض التوترات وبناء توازنات مختلفة.

في الحالتين، سيكون واضحاً أن المنطقة لم تعد قادرة على الاعتماد فقط على التوازنات الخارجية، وأن مستقبل الاستقرار فيها سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة دولها على بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقلالية.

خلاصة

انسحاب أميركي محتمل من المواجهة مع إيران لن يكون مجرد قرار عسكري، بل حدثاً استراتيجياً يعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط بأكمله. وسيكون على الدول الإقليمية، وخصوصاً الخليجية، أن تتعامل مع واقع جديد عنوانه الأساسي: الاعتماد على الذات، وإعادة تعريف علاقاتها وتحالفاتها في عالم لم يعد مستقراً كما كان في العقود الماضية.

ففي السياسة الدولية، كما في التاريخ، لا تُكتب التحالفات بالحبر الدائم، بل تُرسم بميزان المصالح المتغير باستمرار.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment