شبل الزغبي
يُحكى أن الشيطان، في أحد أيامه المشؤومة، مرّ بحمار مقيّد بشجرة.
لم يفعل شيئاً عظيماً، ولم يدبّر مؤامرة كبرى.
ببساطة شيطانية باردة، فكّ الحبل… وابتسم.
انطلق الحمار يعيث في حقل الجار خراباً، فقتلت زوجة الفلاح الحمار غضباً. فقتل صاحب الحمار الزوجة ثأراً. فعاد الفلاح وقتل صاحب الحمار انتقاماً.
وهكذا، من حبل واحد وحمار واحد، وُلدت ثلاث جنازات.
حين سُئل الشيطان عمّا فعل، أجاب ببراءة مثالية:
“لم أفعل شيئاً… أطلقتُ الحمار .” هذه ليست نكتة. هذه ببساطة " لبنان "
لا يحتاج تدمير دولة إلى غزو أو قنابل أو مؤامرات هوليوودية معقدة.
يكفي فقط أن تفكّ القيود عن الغباء، وتُسلّم المقاعد للفاسدين، وتمنح الأكفاء تذاكر الهجرة.
ثم تنتظر. والخراب يأتي وحده. في لبنان، لم يكتفِ الشيطان بحمار واحد.
أطلق قطيعاً كاملاً، ألبسهم بدلات، وهبهم مسؤوليات، وأجلسهم في البرلمان والوزارات والمصارف والمحاكم.
فجاءت السلسلة كما هي دائماً، لكن بنكهة لبنانية فاخرة:
قرار أحمق يُتخذ خلف أبواب موصدة بالمحاصصة الطائفية،
يولد أزمة تُحمَّل فاتورتها للمواطن،
الأزمة تولّد صراعاً تُشعله خُطَب الزعماء النارية فيصفق الاغبياء،
الصراع يولّد انهياراً يهرب منه أصحابه إلى باريس وسويسرا وأمريكا ،
ثم يستيقظ اللبناني ليجد أن مدخراته تبخّرت، وأن ابنائه هاجروا، وأن الكهرباء لم تأتِ بعد. لكن الأفظع من كل هذا؟
أن هؤلاء الحمير يعرفون أنهم حمير. يعرفون أن القرار مدمّر، أن الصفقات مسمومة، أن الوطن ينزف.
لكنهم يتقدمون بثقة تامة، لأن أحداً لن يحاسبهم. لأن الطائفة ستحميهم، والمال سيشتري الصمت، والخوف سيكبح الغضب. وهنا تكمن الكارثة، ربطوا الدولة وأطلقوا الحمير، فالفساد وحده لا يدمر دولة، لكن الغباء حين يتحالف مع الفساد يصبح سلاح دمار شامل.
هذا ليس جهلاً. هذا فساد مُنظَّم بعقلية إجرامية. فمتى تتوقف اللعبة؟
حين يقرر اللبناني، أخيراً، أن يُعيد ربط الحبل بيده.
لا بانتظار مخلّص، ولا بالرهان على زعيم جديد من نفس الإسطبل.
بل بشيء بسيط وصعب في آنٍ واحد: أن يرفض.
يرفض التصويت للحمار لأنه من طائفته.
يرفض السكوت لأن “هكذا لبنان دائماً”.
يرفض أن يدفع ثمن حماقة لم يرتكبها.
الشيطان لا يزال يجلس على نفس الشجرة، يراقب، ويبتسم.
لكنه هذه المرة، يبدو أنه بدأ يشعر بالملل. فالحمير السائبة تعمل بدونه تماماً.…… والبلد يُؤكل أمام أعين شعبه.










03/11/2026 - 06:29 AM





Comments