رشيد ج. مينا
الحرية ليست شعور ولا صفة بل حاجة للانسان الباحث عن الذات والآخر وهي ليست مطلقة ولا محددة بل تأتي وفق ما تكون داخل الإنسان في العقل والذاكرة بناء للتربية والبيئة التي ينشأ فيها. وما دامت الحرية ليست شعور ولا صفة بل حاجة، هل لذلك هي عنوان لكل فكر وتحرك وتوق للتغيير؟ ولماذا لا يوجد مفهوم شامل للحرية الفردية والمجتمعية بين المطلقة والمقيدة بالعادات او القوانين وحتى المحرمات الدينية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكثيرين يخافون من الحرية، والخوف من الحرية له أسبابه:
منها ما يتصل بالتربية التي تزرع الطاعة أكثر مما تعزز الاستقلالية، ومنها ما يرتبط بالسلطة التي ترى في الحرية تهديدًا، ومنها ما يتصل بالدين حين يستخدم كأداة للتقييد بدل أن يكون مجالًا للاختيار الواعي، وأيضًا الخوف من مواجهة المسؤولية التي تفرضها الحرية على الفرد، فيلجأ البعض إلى الخضوع للزعيم أو الجماعة أو العادة بدل مواجهة قلق الحرية.
من هنا تصبح الحرية عنوان كل فكر وتحرك وتوق للتغيير. فما من ثورة أو نهضة أو مشروع إصلاحي إلا وكان دافعه التحرّر:
من الاستعمار، من الاستبداد، من الجهل والفقر والحرمان. إنها وقود دائم للفكر الإنساني، ومحرّك لكل انتقال من واقع مقيّد إلى أفق أرحب.
لكن لماذا لا يوجد مفهوم شامل للحرية؟ لأنها لا تعيش في المطلق، بل تتحرك دائمًا بين مستويين:
الحرية الفردية التي تمنح الإنسان حق الاختيار والتعبير عن إرادته.
الحرية المجتمعية التي توازن بين حقوق الأفراد وحاجات الجماعة، وتُصاغ عبر العادات والتقاليد، وتُضبط بالقوانين، وتُوجَّه أحيانًا بالمحرمات الدينية.
هذا التداخل يجعل الحرية في كل مجتمع صياغةً خاصة به، ميزانًا متأرجحًا بين الفرد والجماعة، بين الحقوق والواجبات، بين الممكن والممنوع. فلا حرية مطلقة بلا فوضى، ولا حرية مقيدة بلا استلاب.
إن الحرية، في جوهرها، ليست جدلًا فلسفيًا فقط، بل مشروع وعي ورؤية ورسالة:
وعي بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
رؤية بأن الإنسان الحر هو وحده القادر على بناء مجتمع حر.
رسالة بأن الطريق إلى التغيير يبدأ بتحرير العقل، ويمر بامتلاك الوعي، ليصل إلى ممارسة حرة ومسؤولة تحفظ الكرامة وتبني المستقبل.
الحرية إذن ليست مجرد شعار نرفعه، بل ميزان حياة يختبر صدقنا في مواجهة الاستبداد والتقليد والجهل. وهي حاجة لا تنتهي، لأن الإنسان كلما خطا خطوة نحو الحرية، تكشّف له أفق أبعد يستحق السعي إليه.










03/10/2026 - 17:14 PM





Comments