المحلل والناقد السياسي فرنسوا الجردي
في خضم الحرب التي يعيشها لبنان وما خلّفته من تهجير واسع ودمار وخسائر بشرية ومادية، يواجه القطاع التربوي تحدياً غير مسبوق يضعه أمام سؤال مصيري: هل يمكن الاستمرار في التعليم بالآليات التقليدية في ظل حرب مفتوحة، أم أن الواقع يفرض مقاربة استثنائية تتناسب مع حجم الكارثة؟
في هذا السياق، جاءت مطالب رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي الداعية إلى تجميد العام الدراسي مؤقتاً واستبداله ببرامج تعليم غير نظامي تركز على الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب. وقد أثارت هذه الدعوة نقاشاً واسعاً في الأوساط التربوية، إلا أن قراءة موضوعية للواقع الحالي تظهر أن هذه المطالب تستند إلى اعتبارات واقعية لا يمكن تجاهلها.
فالحرب الدائرة لم تقتصر آثارها على الجبهات العسكرية، بل طالت المجتمع بكامله. آلاف العائلات نزحت من مناطقها، ومئات المدارس الرسمية والمعاهد التربوية تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد المؤسسات التعليمية قادرة على أداء دورها الطبيعي، لا من حيث البنية التحتية ولا من حيث الاستقرار النفسي للطلاب والأساتذة.
إن محاولة الاستمرار في التعليم الحضوري في بعض المناطق دون غيرها قد يؤدي عملياً إلى تكريس نوع من الانقسام التربوي بين مناطق قادرة على التعليم وأخرى محرومة منه. وهذا الأمر يهدد مبدأ العدالة التربوية ويخلق فجوة تعليمية خطيرة بين الطلاب اللبنانيين.
أما خيار التعليم عن بعد، الذي طُرح كبديل في أزمات سابقة، فيصطدم اليوم بعقبات جدية. فالبنية التحتية للكهرباء والإنترنت تعاني من ضعف شديد، إضافة إلى أن عدداً كبيراً من الطلاب لا يملك الوسائل التقنية اللازمة لمتابعة الدروس. وتجربة السنوات الماضية أظهرت بوضوح أن التعليم عن بعد في لبنان غالباً ما يتحول إلى إجراء شكلي لا يحقق أهدافه التربوية الحقيقية.
وتبرز هذه المشكلة بشكل أكثر حدّة في قطاع التعليم المهني والتقني الرسمي، حيث تقوم العملية التعليمية أساساً على التدريب العملي داخل المختبرات والمشاغل. وقد أدى تحويل عدد كبير من المعاهد المهنية إلى مراكز إيواء للنازحين إلى تعطيل هذه المرافق بالكامل، ما يجعل تنفيذ الدروس التطبيقية أمراً مستحيلاً في الظروف الحالية.
فالتعليم المهني لا يقوم فقط على المعرفة النظرية، بل يعتمد أساساً على اكتساب المهارات العملية عبر التدريب المباشر. وبالتالي لا يمكن تعويض هذا النوع من التعليم عبر الوسائل الافتراضية أو التعليم عن بعد، الأمر الذي يجعل استمرار العام الدراسي في هذا القطاع أمراً بالغ الصعوبة.
ومن هنا تبدو المطالبة بتجميد العام الدراسي مؤقتاً خياراً واقعياً يهدف إلى تفادي الوقوع في تعليم شكلي يفتقر إلى الجودة والعدالة. كما أن استئناف العام الدراسي لاحقاً بعد توقف الحرب وتمديده خلال فصل الصيف قد يتيح تعويض الفترة الضائعة بطريقة أكثر تنظيماً وإنصافاً لجميع الطلاب.
وفي موازاة ذلك، تطرح الرابطة فكرة اعتماد برامج تعليم غير نظامي تركز على الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب. فالأطفال الذين يعيشون اليوم تحت وطأة القصف والنزوح والخوف يحتاجون أولاً إلى الاحتواء النفسي وإلى بيئة تربوية تساعدهم على تجاوز الصدمة، قبل العودة إلى المسار الأكاديمي التقليدي.
ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي للأزمة، إذ يطالب الأساتذة المتعاقدون بضمان حقوقهم المالية خلال فترة التعطيل القسري، خصوصاً أن توقف التعليم ناتج عن ظروف الحرب وليس عن خيار تربوي أو إداري. ويستند هذا المطلب إلى سابقة قانونية حصلت خلال جائحة كورونا، عندما تم إقرار قانون يتيح دفع مستحقات المتعاقدين رغم توقف التعليم الحضوري.
في المحصلة، لا يبدو النقاش اليوم محصوراً في مسألة تربوية تقنية، بل يتصل بكيفية إدارة المجتمع اللبناني لأزمة وطنية كبرى. فالهدف ليس فقط الحفاظ على استمرارية التعليم، بل حماية الطلاب والأساتذة والمؤسسات التربوية من تداعيات حرب تهدد البنية الاجتماعية للبلاد.
وفي مثل هذه الظروف، قد يكون القرار الأكثر حكمة هو الاعتراف بواقع الأزمة، واتخاذ إجراءات استثنائية مؤقتة تضع الإنسان أولاً، ريثما يستعيد لبنان الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بإعادة إطلاق مسيرته التربوية بصورة طبيعية.










03/10/2026 - 13:43 PM





Comments