بقلم الخوري الدكتور نبيل مونس
في القليعة الجنوبية، البلدة التي اعتادت أن تقف على تماس النار منذ عقود، دوّى خبر اخترق الجنوب ولبنان كلّه: الأب بيار الراعي، كاهن الرعية، توفي متأثرًا بإصابته جرّاء القصف الاسرائيلي الذي استهدف البلدة. لم يكن الخبر مجرد حادث أمني؛ كان وجعًا روحيًا وإنسانيًا، لأن من رحل لم يكن رجلًا عابرًا، بل راعيًا عاش بين شعبه ومات بينهم.
الراعي الذي لم يترك رعيته يومًا
الأب بيار لم يكن كاهنًا يزور رعيته من حين إلى آخر، بل كان واحدًا منهم. كانوا يرونه في الشارع أكثر مما يرونه في الكنيسة، وفي البيوت أكثر مما يرونه في المكاتب. كان يعرف أسماء الأطفال، وأمراض المسنين، ووجع كل بيت، واحتياجات كل عائلة. كان يقول دائمًا: «الكاهن ليس موظفًا… الكاهن هو قلب يمشي بين الناس.» ولذلك، لم يفارق رعيته يومًا، لا في الفرح ولا في الضيق، لا في السلام ولا في الحرب.
في لحظة الخطر كان أول الواصلين
حين سقطت القذائف الأولى على أطراف القليعة، لم يختبئ الأب بيار ولم يبحث عن ملجأ. خرج كما يخرج الأب إلى صراخ أولاده: اقترب من الجرحى، رفع الأنقاض، مسح دمعة خائف، وأسند جسدًا متألّمًا. لكن القصف الثاني كان أقرب وأقسى. أصيب إصابة بالغة، ونُقل إلى المستشفى، قبل أن يسلم روحه بهدوء الراعي الذي عرف أن حياته ليست له، بل لشعبه.
"أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف". (يوحنا 10:11) تحققت هذه الكلمات في حياته، وصارت شهادته حيّة بين الناس.
كاهن من لحم الناس ووجعهم
لم يكن الأب بيار يعيش في برج كنسي بعيد. كان يمشي في شوارع القليعة، يزور المرضى، يرافق المسنين، ويقف إلى جانب الشباب الذين ضاقت بهم الحياة. كان يرى في كل جريح وجه المسيح، وفي كل خائف قلبًا يحتاج إلى كلمة رجاء، وفي كل بيت رسالة يجب أن تُحمى. كان يردّد دائمًا: «الراعي لا يترك رعيته مهما اشتدّ الخطر.» وقد عاش ما قاله حتى النهاية.
في كل أزمة كان أول الواصلين. عندما كانت القذائف تسقط، كان يحمل معه ماءً وصلوات وكلمة عزاء وجرأة لا تشبه إلا جرأة الإيمان. كان يقترب من الخطر لا ليظهر بطولة، بل لأن قلبه لم يعرف يومًا أن يترك إنسانًا يتألم وحده. كان يؤمن أن المحبة أقوى من الخوف، فكان يقول: «الخوف لا يخلّص أحدًا… المحبة وحدها تخلّص.»
وجع البلدة ووجع الوطن
استشهاد الأب بيار ليس حادثًا فرديًا، بل صورة عن الألم الذي يعيشه المدنيون في الجنوب وعن الثمن الذي يدفعه الأبرياء في كل جولة عنف. هو جرح في قلب القليعة وجرح في قلب لبنان كلّه. في جنازته بكى الناس كما يبكي الأبناء أباهم؛ لم يبكوا رجل دين فقط، بل إنسانًا عاش بينهم، حمل همومهم، ووقف في وجه الخوف بصلابة الإيمان.
"إن سِرْتُ في وادي ظلّ الموت لا أخاف شرًا لأنك أنت معي". (مزمور 23:4) ترددت هذه الكلمات في قلوب الحاضرين، كأنها تواسي الجراح وتؤكد أن الرجاء لا يموت.
رسالة لا تموت
رحل الأب بيار لكن رسالته بقيت: في صلاته التي لم تنقطع، في محبته التي لم تتراجع، وفي حضوره الذي سيظل جزءًا من ذاكرة القليعة. بقيت شهادته التي تقول إن الكهنوت ليس وظيفة بل حياة تُعطى، وخدمة تُقدَّم، ومحبة تُبذل حتى النهاية. لقد عاش معنى الآية التي تختصر سر العطاء: "ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه". (يوحنا 15:13)
في زمن يشتد فيه الظلام، يسقط أحيانًا أشخاص يشبهون النور. الأب بيار واحد من هؤلاء. سقط وهو يحاول أن ينقذ حياة الآخرين من ابناء بلدنه، فصارت حياته كلّها شهادة. اسمه سيبقى في القليعة وفي الجنوب وفي لبنان علامة على أن الإنسانية لا تُقصف حتى لو سقط أصحابها.
خاتمة صلاة ورجاء
نتمسّك بوعد القيامة ونرفع صلاة الرجاء: "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا". (يوحنا 11:25)
يا رب، ارحم عبدك الاب بيار الراعي، واقبل قربانه، واجعل مثواه في نور وجهك. امنح أهله ورعيته الصبر والسلوان، واجعل شهادته نبراسًا يدفعنا إلى المحبة والخدمة بلا تردد. ليتحول ألمنا إلى دعاء، وحزننا إلى عمل محبة، ورجاؤنا إلى ثبات في الإيمان.
ليكن ذكره مؤبّدًا. اللهم ارحمه وارفعه إلى مساكن النور. آمين.










03/09/2026 - 20:23 PM





Comments