رشيد ج. مينا
التجارة عبر الزمن معروفة: بيع وشراء، ربح وخسارة، نتائج مادية. لكن زمننا هذا شهد تحوّلًا خطيرًا في نموذج التجارة؛ إذ باتت تُجنى أرباحٌ ليس عليها ثمن مادي فقط، بل ثمن إنساني واجتماعي ودولياً. هذه تجارة الشعارات: كلمات براقة وعناوين جذابة، فارغة في الجوهر ومزيفة في المضمون.
تدور آلتها في كل ساحات الحياة: تُستخدم الشعارات لتوليد تحرّك جماهيري يضمن صفقة، أو مناقصة، أو لابتزاز جهة مالية، أو سياسية. شعار عن حقوق العمال أو عن العدالة يُرفع أمام الكاميرات، بينما تُمرّر الصفقات في الظلال. أحيانًا تُستعمل نصوص دينية وآيات لتغطية المبايعات السياسية، وكأن المقدس يُستغل لمنح شرعية لمصالح دنيوية بحتة.
الدول نفسها ليست بريئة؛ فبعضها يتاجر بشعارات الحرية والديمقراطية عند التدخل خارجياً، بينما تكون داخليًا حريةٌ مذبوحةٌ وديمقراطيةٌ واجهةٌ لبرلمان بالتعيين. في هذا المناخ، يتحول الحديث عن حقوق الفقراء والنازحين والمعتقلين إلى سلعة تُستثمر سياسياً، وتغدو الإنسانية أداة بيد قوى المال والهيمنة.
حتى قضايا التحرّر والمقاومة ليست بمنأى؛ فمع كل كلمةٍ عن المقاومة قد تُنسَب إلى محورٍ أو حزبٍ، ومع كل مطالبة باستعادة دور الدولة تُكال اتهامات الولاء للخارج أو الخيانة. هكذا تُفقد المبالغات في التجارة الشعاراتيّة معناها وتُحوّل الحقوق المشروعة إلى وسائل إقصاء وتصفية حسابات.
تجارة الشعارات أكثر خطورة من التجارة التقليدية لأنها تُحطّم الثقة المجتمعية؛ تصنع أتباعًا مأجورين ومرتهنين، وتسهِم في تكريس منظومة استبدادية أو مصلحية. الراعي الحقيقي للإنسان يجب أن يكون دولة عدلٍ وقانونٍ لا دولة مافيات أو أجهزة قمعية تُقنّع ممارساتها بشعارات براقة.
الرسالة واضحة: احذروا تجّار الشعارات. هم هَدَامة الإنسان والمجتمع، وعبيدٌ للمال والسلطة. وحده وعي المواطن ومشروع دولة حقيقية مؤسساتية يقوضان سوقهم، لأن لا خلاص للناس عبر شعارات تُباع وتشترى، بل عبر مؤسساتٍ شفافةٍ ومحاسبةٍ وسيادةٍ حقيقية تقيم العدالة والكرامة.










03/09/2026 - 19:48 PM





Comments