الخوري فادي سميا
في أزمنة الحروب تختلط الأصوات: أصوات القذائف، وأصوات الخوف، وأصوات كثيرة تُطلق الأحكام من بعيد. في مثل هذه اللحظات، يصبح الكلام سهلًا جدًا، خصوصًا عندما يُقال من خلف الشاشات. لكن الحقيقة التي غالبًا ما تضيع وسط الضجيج هي أن هناك أشخاصًا لا يكتبون عن الألم… بل يعيشونه.
الخوري بيار الراعي لم يكن يناقش نظريات سياسية، ولم يكن يحلل المعادلات العسكرية، ولم يكن يحاول أن يثبت وجهة نظر على وسائل التواصل. كان في مكان آخر تمامًا: بين أبناء رعيته. بين الناس الذين اعتاد أن يصلي معهم، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويكون قريبًا منهم في تفاصيل حياتهم.
عندما سقطت القذيفة في الحي السكني في القليعة، لم يكن المشهد يحتاج إلى تحليلات. كان هناك جرحى، وخوف، وألم. وفي تلك اللحظة، فعل ما يفعله الكاهن الحقيقي: اقترب من الجرحى، وحاول أن يسعف المصابين، وأن يكون حاضرًا حيث يحتاجه الناس.
الكاهن عندما يرى إنسانًا مجروحًا لا يسأله عن طائفته، ولا عن انتمائه، ولا عن الجهة التي يقف معها. الكاهن يرى إنسانًا يتألم، وهذا وحده يكفي ليقترب منه. هذه ليست نظرية أخلاقية، بل جوهر الرسالة التي عاشها المسيح نفسه عندما اقترب من كل إنسان متألم دون أن يسأله عن هويته.
لهذا السبب، يصبح مؤلمًا أن تُختصر مثل هذه اللحظة بكلمات ساخرة أو بأحكام متسرعة. فالحروب تكفيها قسوتها، ولا تحتاج إلى مزيد من القسوة في الكلام. ما حدث في القليعة ليس مجرد تفصيل عابر في خبرٍ سريع، بل شهادة على معنى عميق للكهنوت عندما يُعاش بصدق.
الكاهن الحقيقي لا يترك رعيته ساعة الخطر. لا يبتعد عندما يقترب الألم، ولا يبحث عن الأمان لنفسه بينما يعيش شعبه القلق والخوف. الراعي الحقيقي يبقى مع قطيعه، يشاركهم المصير نفسه، حتى لو كان الثمن حياته.
استشهاد الخوري بيار الراعي ليس خسارة لعائلة أو لرعية فقط، بل هو جرح في قلب الكنيسة والوطن. لكنه في الوقت عينه يذكّرنا بأن هناك أشخاصًا ما زالوا يؤمنون بأن المحبة ليست شعارًا، بل موقفًا يُعاش، وأن الخدمة ليست كلمة تُقال، بل طريقًا قد يقود أحيانًا إلى التضحية الكاملة.
وفي هذا المشهد المؤلم، تتردد كلمات المسيح التي تبدو بسيطة لكنها تحمل أعمق معنى للمحبة: «ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه» (يوحنا 15: 13).
هذه الكلمات لم تعد مجرد آية تُقرأ في الإنجيل. لقد تحولت في القليعة إلى شهادة حيّة، كتبها كاهنٌ بحياته، وبقربه من شعبه، وببقائه إلى جانب الجرحى عندما كان الخطر يحيط بالجميع.
ربما لهذا السبب، في وسط الألم والدموع، يبقى هناك نور صغير لا ينطفئ: نور إنسان اختار أن يبقى حيث يجب أن يكون الراعي… بين شعبه.
وعندما يصل الإنسان إلى تلك اللحظة، لا يعود الحديث عن «الغباء» أو «الذكاء» له معنى. يبقى فقط معنى واحد… معنى المحبة التي تذهب حتى النهاية.










03/09/2026 - 18:56 PM





Comments