أ. ادريس احميد
في ظل التصعيد العسكري المتزايد الذي تشهده المنطقة، وما يحمله من مخاطر على أمنها واستقرارها، صدر بيان جامعة الدول العربية الذي أدان ما وصفه بالعدوان الإيراني على بعض دول المنطقة، مؤكدًا رفض أي استهداف يمس سيادة الدول العربية أو يهدد أمنها القومي. ويأتي هذا الموقف في إطار التضامن العربي الذي ظل مطلبًا وحلمًا مشروعًا لكل مواطن عربي يتطلع إلى موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الإقليمية. غير أن هذا البيان يعيد في الوقت نفسه طرح تساؤلات أعمق حول واقع الأمن القومي العربي في ظل اختلال واضح في موازين القوة، وتعقيدات سياسية تراكمت عبر عقود من الصراعات والانقسامات العربية، فضلًا عن تداخل الأدوار الإقليمية والدولية في شؤون المنطقة.
فمن المعروف أن كلًا من الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان قدرات عسكرية كبيرة وأدوات ردع متقدمة، وهو واقع استراتيجي لم يكن يومًا محل شك. لكن المشكلة لا تكمن في ميزان القوة وحده، بل في حالة الاختلال التي أصابت الموقف العربي نتيجة تراكمات طويلة من الخلافات والانقسامات السياسية، والتي انعكست سلبًا على القدرة العربية في التعامل مع التحديات الإقليمية الكبرى.
لقد مرّ الصراع العربي مع إسرائيل بمحطات تاريخية صعبة تركت آثارًا عميقة على بنية النظام العربي. فمنذ حرب عام 1948، مرورًا بهزيمة عام 1967، ثم حرب عام 1973، وصولًا إلى العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، واجهت الدول العربية اختبارات قاسية في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي المدعوم بشكل كبير من القوى الغربية. وقد أسهم هذا الدعم في ترسيخ اختلال ميزان القوة في المنطقة، الأمر الذي جعل إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا وسياسيًا واضحًا في مواجهة الدول العربية.
كما ساهمت الخلافات العربية الداخلية في إضعاف الموقف الجماعي. فمقاطعة جمهورية مصر العربية بعد توقيعها اتفاق السلام مع إسرائيل مثلت أحد أبرز مظاهر الانقسام العربي، رغم أن مصر قدمت تضحيات كبيرة في الحروب العربية الإسرائيلية، وكانت قراراتها السياسية مرتبطة بحسابات أمنها القومي ورؤيتها الاستراتيجية لمستقبل المنطقة.
ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ جاءت الحرب بين العراق وإيران عام 1980 لتضيف بُعدًا جديدًا من الاستنزاف والانقسام في المنطقة. ثم جاء احتلال العراق للكويت عام 1990 ليشكل ضربة قاسية للنظام العربي، حيث أدى إلى انقسام عميق بين الدول العربية وأضعف قدرتها على صياغة موقف موحد تجاه القضايا المصيرية.
وتواصلت التحولات الكبرى مع احتلال العراق عام 2003، وهو الحدث الذي أعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة وفتح الباب أمام توترات إقليمية جديدة. كما تصاعدت المخاوف لدى بعض الدول العربية من السياسات الإقليمية الإيرانية، خاصة في ظل نفوذها في بعض الساحات مثل لبنان واليمن، إضافة إلى استمرار الخلاف حول الجزر الإماراتية الثلاث التي تؤكد الإمارات العربية المتحدة أن إيران تحتلها منذ عام 1971.
وفي هذا السياق، تؤكد الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، رفضها لأي اعتداء يمس أمنها أو سيادتها. فالهجمات الإيرانية على الدول الخليجية مرفوضة لما تحمله من مخاطر على استقرار المنطقة، إذ إن مثل هذه السياسات قد تدفع بإيران إلى مزيد من العزلة في مواجهة دول المنطقة. وفي الوقت ذاته، عبّرت دول الخليج عن موقف واضح برفض استخدام أراضيها لشن هجمات عسكرية أمريكية، في محاولة لتجنب توسيع دائرة الحرب وتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح.
ومع كل هذه التحولات، يبقى تساؤل مهم يفرض نفسه على واقع المنطقة. فقد اتضح في السنوات الأخيرة أن إسرائيل، وفي إطار شعورها بالتفوق العسكري والسياسي، لم تعد تبالي كثيرًا بالمواقف العربية التقليدية، بل تمضي في سياساتها ومخططاتها الإقليمية مستندة إلى دعم واضح من الولايات المتحدة واختلال ميزان القوة في المنطقة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للدول العربية أن تتعامل مع هذا الواقع؟ وما هي الأدوات السياسية والاستراتيجية التي يمكن أن تمكّنها من حماية أمنها القومي في مواجهة سياسات قد لا تتردد في استهداف مصالح دول عربية مستقبلاً، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية التي ظلت تاريخيًا ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي العربي؟
إن هذه التساؤلات لم تعد مجرد نقاشات سياسية، بل أصبحت جزءًا من ضرورة إعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي العربي وآليات حمايته في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة. فالأمن القومي العربي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر موقف عربي أكثر تماسكًا واستقلالية، قادر على تجاوز الخلافات وبناء استراتيجية مشتركة تحمي مصالح الشعوب العربية في زمن تتغير فيه موازين القوة وتتسارع فيه التحولات الجيوسياسية.
* صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي










03/09/2026 - 17:26 PM





Comments