معتز فخرالدين
في كل مرة تندلع فيها أزمة كبرى في المشرق، يعود التفسير ذاته إلى الواجهة: الإمبريالية العالمية هي السبب، وما يجري ليس سوى فصل جديد من صراع الهيمنة على المنطقة. ليس في هذا التفسير ما يخلو من الصحة، فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط حافل بالتدخلات الخارجية، من رسم الحدود إلى إسقاط الأنظمة وإعادة تشكيل موازين القوة. غير أن تحويل هذه الحقيقة إلى تفسير شامل لكل ما يحدث في المنطقة يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبسيط مفرط للواقع، ويعفي مجتمعاتنا من مواجهة السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا تبدو دول المشرق قابلة للاختراق والانهيار إلى هذا الحد؟
لا شك أن القوى الكبرى لعبت، وما تزال تلعب، دورًا مؤثرًا في تشكيل مسار الأحداث في المنطقة. فالموقع الجغرافي، وموارد الطاقة، وتشابك الصراعات الدولية، كلها عوامل تجعل الشرق الأوسط ساحة دائمة للتنافس بين القوى الكبرى. لكن هذه الحقيقة لا تفسر وحدها هشاشة الدولة في عدد كبير من بلدان المنطقة، ولا تفسر لماذا تنجح بعض الدول في حماية استقرارها النسبي رغم الضغوط الخارجية، فيما تبدو دول أخرى أكثر عرضة للتفكك عند أول أزمة كبرى.
تكمن المشكلة في كثير من الأحيان في اعتماد تفسير أحادي للتاريخ، يختزل كل الظواهر السياسية في عامل واحد، مهما كان هذا العامل مهمًا. فالتاريخ السياسي لأي مجتمع هو نتاج تفاعل معقد بين العوامل الداخلية والخارجية، بين بنية الدولة وطبيعة المجتمع، وبين الاقتصاد والسياسة والثقافة. وعندما يتم تجاهل هذه العوامل الداخلية، يتحول التحليل السياسي إلى سردية تبريرية أكثر منه محاولة لفهم الواقع.
إن الدولة الحديثة ليست مجرد سلطة سياسية أو جهاز أمني، بل منظومة مؤسسات، واقتصاد قادر على الإنتاج، ومجتمع سياسي ينظم الاختلاف ضمن إطار قانوني ومؤسسي. وعندما تغيب هذه العناصر، تصبح الدولة بطبيعتها أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للاختراق من الداخل قبل الخارج.
لتوضيح معنى “الهشاشة” بشكل ملموس، يمكن النظر إلى حالة لبنان، الذي تحول من “سويسرا الشرق” إلى دولة على حافة الانهيار، أو إلى سوريا، التي بدت لسنوات طويلة دولة مستقرة ذات مؤسسات مركزية قوية قبل أن تواجه الأزمة المفتوحة عام 2011. في كلا المثالين، كانت بذور التفكك كامنة في بنية الدولة نفسها: غياب العقد الاجتماعي الجامع، وتغول شبكات الولاء على المؤسسات، واقتصاد غير منتج.
لقد شهد المشرق خلال القرن الماضي محاولات متعددة لبناء مشاريع استقلال سياسي واقتصادي، بعضها حمل طابعًا قوميًّا، وبعضها ارتبط بأيديولوجيات تحررية مختلفة. غير أن كثيرًا من هذه التجارب انتهى إلى إعادة إنتاج أنماط من السلطة تفتقر إلى المؤسسات المستقرة، وتعتمد بدلًا من ذلك على شبكات الولاء السياسي أو الطائفي أو الاقتصادي.
في ظل اقتصاد ريعي أو شبه ريعي، تتشكل علاقة غير متوازنة بين الدولة والمجتمع. فالاقتصاد الريعي لا يحتاج إلى فرض ضرائب حقيقية على المواطنين، وبالتالي لا يحتاج إلى تمثيل سياسي أو مساءلة. تتحول العلاقة مع المواطن من علاقة “حقوق وواجبات” إلى علاقة “منح وولاء”، حيث تصبح الدولة مصدرًا للامتيازات لا إطارًا جامعًا للمواطنة. وعندما تضعف قدرة الدولة على الإغراء المادي، تنهار الروابط التي تمسك المجتمع، لتصبح الدولة بطبيعتها أكثر هشاشة.
وعندما تتفكك الدولة بهذه الطريقة، تصبح الأزمات المحلية أرضًا خصبة لتدخل القوى الخارجية، وتحول النزاعات الإقليمية إلى صراعات بالوكالة أو إلى صراعات مفتوحة تتجاوز حدود الدولة الوطنية. القوى الكبرى قد تتنافس على النفوذ، لكنها غالبًا ما تجد في ضعف الدول المحلية الفرصة المثالية لتوسيع هذا النفوذ.
هنا يظهر تناقض لافت في الخطاب السياسي العربي: النخب الحاكمة تتبنى خطابًا مناهضًا للإمبريالية في الشعارات، بينما تكرس عمليًا سياسات تضعف الدولة، سواء بالاعتماد على الإيرادات الخارجية، أو بقمع المعارضة بدل دمجها، أو بإهمال بناء مؤسسات مستقلة. هذا التناقض يجعل من “التفسير الإمبريالي” ملجأ سهلاً لتبرير الإخفاقات الداخلية، ويحول دون مساءلة النخب المحلية عن دورها في إنتاج الهشاشة.
من هنا، فإن قراءة الصراعات في المشرق لا يمكن أن تقتصر على تحديد الطرف الذي يمثل الهيمنة والطرف الذي يمثل المقاومة. فالقضية الأعمق تكمن في طبيعة الدولة نفسها، وفي قدرتها على بناء مؤسسات مستقرة، واقتصاد منتج، ومجتمع سياسي قادر على إدارة الاختلاف دون الانزلاق إلى التفكك.
ربما نحتاج هنا إلى مفهوم “الاستعمار الداخلي” أو “الدولة العميقة” للإشارة إلى أن المشكلة ليست فقط في ضعف المؤسسات، بل أحيانًا في طبيعتها التي تعيد إنتاج الهشاشة عمدًا، لأن النخب الحاكمة تستفيد من غياب المؤسسات المستقلة.
إن مواجهة الضغوط الخارجية، مهما كان مصدرها، لا تبدأ فقط بالشعارات السياسية أو الاصطفافات الأيديولوجية، بل تبدأ قبل كل شيء ببناء دولة قادرة على الصمود. الدول التي تمتلك مؤسسات حقيقية ومجتمعات سياسية منظمة تستطيع امتصاص الضغوط والتكيف معها، أما الدول الهشة فقد تنهار حتى في غياب مؤامرة.
لكن السؤال الأصعب يبقى: كيف نبني دولة قوية دون أن نعيد إنتاج نمط الدولة البوليسية؟ كيف نبني مؤسسات تحمي استقلال الدولة وتضمن العدالة والمساءلة، دون أن تتحول إلى أدوات قمع أو تولّد هشاشة جديدة؟
في ظل التحولات الدولية الكبرى، من صعود آسيا إلى إعادة تشكل التحالفات العالمية، تتغير طبيعة التحدي الخارجي. هل ستكون الإمبريالية الغربية اللاعب الوحيد؟ أم تتداخل قوى متعددة ذات مصالح متباينة؟ وكيف يمكن للدول المشرقية أن تستعد لذلك؟
إن معركة الاستقلال الحقيقي لا تبدأ عند حدود الجغرافيا، بل في بنية الدولة والمجتمع. وفي عالم لا يرحم الضعفاء، قد يكون بناء الدولة هو التحدي الأكبر الذي يواجه شعوب المشرق في الحاضر والمستقبل.
الدول القوية لا تُبنى بالإعلانات والشعارات، بل بالقدرة على تحويل المجتمع إلى شريك حقيقي، وإلا فإن أي قوة خارجية ستجد دائمًا الطريق مفتوحًا للتدخل.










03/09/2026 - 13:01 PM





Comments