لبنان… البطريرك إلياس الحويّك وصاحب القلب الكبير في زمن الخطر الوجودي

03/09/2026 - 12:52 PM

A

 

 

 

 

 

 

بقلم الخوري الدكتور نبيل مونس

الحرب المستمرّة في لبنان، والخطر الوجودي الذي يهدّد شعبه وكيانه بالانشطار أو الانحلال أو التمزيق والتشريد، ما زال حاضرًا بكلّ ثقله العسكري والجغرافي والاقتصادي. وهذا الواقع القاتم دفعني إلى الكتابة، علّنا نُسقط نور السماء على معركة الأرض، ونستعيد البوصلة التي أرادها لنا الآباء المؤسّسون.

لبنان، منذ نشأته، لم يكن يومًا دولة صاروخية أو قوة عسكرية تبحث عن الحروب. لا يمتلك طائرات مسيّرة ولا أسلحة نووية ولا طموحًا في ذلك. قوّته لم تكن يومًا في الحديد والنار، بل في رسالته.

تاريخه - في الجغرافيا، وفي الكتب، وفي الكتاب المقدّس قبل كل شيء - هو تاريخ ممزوج برسالة سماوية حملت إلى العالم بشارة الخلاص.

لبنان الكبير هو لبنان المحبّة. لبنان الرسالة الروحية للسلام العادل بين الشعوب. هذا ما آمن به البطريرك إلياس الحويّك (1843–1931)، صاحب القلب الكبير، الذي عاش حرب الإبادة على مسيحيي لبنان والموارنة وفي الشرق كلّه، وواجه أهوال الحرب العالمية الأولى. جلس على كرسي الحكمة والألم في بكركي، ليكون أبًا للجميع، وصوتًا للحق، ورمزًا للثبات.

صبر البطريرك الحويّك وصلّى، ورسم خريطة لبنان ليكون بيتًا وديعًا وصلبًا في آن، نموذجًا للقاء بين الشرق والغرب، ومدرسة لحضارة الحبّ والمسامحة. أراد وطنًا للحرّية والخلق والإبداع، لا ساحة للاقتتال والانتقام. آمن بأنّ الإنسان أخٌ للإنسان، وأنّ الأوطان مدرسة للترقّي، وحضنٌ للمظلومين والمضطهدين.

لبنان الذي أراده الحويّك ليس مكانًا للتسلّح من أجل الثأر، مهما كان الجرح عميقًا، بل مكانًا للاستشفاء المتواصل للروح والجسد والعقل. مكانًا للتحرّر من عقد الذنب ونزيف الدم الدائم، وللانتصار على أمراض الإنسان، وفي مقدّمها الحسد والقتل — حتى ولو ارتُكبا باسم الله.

وأنا أكتب اليوم، لا أجد أصدق من نداء المؤسّس القديس البطريرك إلياس الحويّك: "علينا أولًا محبّة الوطن."

فلبنان، رغم السنين الطويلة من الحروب التي سبّبها الحسد الخارجي والداخلي، ورغم الخيانات التي طعنته في الداخل والخارج، ما زال قائمًا.

نعلم يقينًا أنّ المحبّة - كما يقول الكتاب - "لا تسقط أبدًا، لا تحسد ولا تتباهى".

فلنعد جميعًا، وأقولها بوضوح: جميعًا، إلى قراءة رسالة البطريرك الحويّك، أو الرسالة السينودسية "رجاء لبنان". هناك فقط نرى الرجاء الحقيقي، ونلمس الطريق الذي يعيد للبنان وجهه ورسالته.

هلمّ أيها الروح القدس، وجدّد وجه الأرض… وفي قلبها لبنان.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment