جمال دملج *
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتشابك الحروب بالرهانات العقائدية وتتداخل حسابات الدول مع مغامرات الميليشيات، بدا المشهد اللبناني، مطلع هذا الأسبوع، وكأنه يشهد انعطافة سياسية غير مسبوقة منذ عقود.
فالرسائل التي صدرت عن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام لم تكن مجرد مواقف ظرفية في خضم حرب مشتعلة في المنطقة، بل بدت أقرب إلى إعلانٍ واضح بأن الدولة اللبنانية ماضية قدمًا، بثباتٍ، في استعادة زمام المبادرة بعد سنوات طويلة من الازدواجية بين الدولة والدويلة.
لحظة المكاشفة
خلال الاجتماع الافتراضي الذي دعا إليه الاتحاد الأوروبي بمشاركة قادة 13 دولة، اختار الرئيس اللبناني لغة غير مألوفة في الخطاب الرسمي اللبناني. فبدل الاكتفاء بتوصيف الحرب الدائرة أو الاكتفاء بالمطالبة بوقف النار، وضع الأمور في سياقها الحقيقي: لبنان يقف اليوم بين عدوان خارجي متفلت من القوانين الدولية، وفريق مسلح داخلي يعمل خارج إطار الدولة.
لكن اللافت في كلام الرئيس عون لم يكن فقط تشخيص المشكلة، بل الجرأة في تحديد المسؤولية. إذ اعتبر أن الصواريخ التي أطلقها "حزب الله" من الأراضي اللبنانية لم تكن سوى كمينٍ منصوبٍ للبنان نفسه، هدفه استدراج إسرائيل إلى توغل عسكري واسع، ووضع الدولة أمام خيارين كلاهما كارثي: إما الانخراط في حرب مدمرة، أو الظهور بمظهر العاجز أمام شعبه.
والأهم في كلام الرئيس كان الإشارة الصريحة إلى أن هذه المغامرة لم تكن مرتبطة بالمصلحة اللبنانية، بل جاءت في إطار حسابات النظام الإيراني، في عبارة غير مسبوقة تقريبًا في خطابٍ رئاسي لبناني.
مبادرة من أربع نقاط
لم يكتفِ الرئيس بالتوصيف، بل طرح مبادرة واضحة من أربع نقاط لوقف التصعيد:
* وقف كامل للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
* دعم لوجستي عاجل للجيش اللبناني.
* انتشار الجيش في مناطق التوتر ومصادرة السلاح ونزع سلاح حزب الله.
* إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية لتنفيذ هذه الخطوات.
واللافت أن هذه المبادرة تعني عمليًا أن لبنان الرسمي بات مستعدًا للانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة معالجة جذوره السياسية والأمنية. فمجرد الحديث عن مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، حتى ولو برعاية دولية، يشير إلى تحوّل كبير في المقاربة اللبنانية التقليدية التي ظلت لعقود أسيرة شعارات الصراع المفتوح.
حكومة تسير في الاتجاه نفسه
لم يكن موقف رئيس الوزراء أقل وضوحًا. ففي مقابلة صحافية، أكد نواف سلام أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارًا واضحًا يقضي باعتبار الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله غير قانونية، وهو قرار وصفه بأنه نافذ ويجب تطبيقه.
وفي لغة دبلوماسية لكنها حازمة، شدد على أن الحكومة لا تسعى إلى مواجهة مع الحزب، لكنها أيضًا لن ترضخ للابتزاز.
أما الرسالة الأهم فكانت تأكيده أن لبنان يسعى منذ البداية إلى تجنب الانجرار إلى الحرب، لأنه ببساطة لا مصلحة له في هذا الصراع الإقليمي الذي يتجاوز قدراته وإمكاناته.
وفي موازاة ذلك، كشف رئيس الحكومة أن بيروت منفتحة على مختلف صيغ التفاوض مع إسرائيل ضمن إطار دولي، في إشارة واضحة إلى أن الدولة اللبنانية مستعدة للسير في مسار سياسي قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وربما سلام طويل الأمد.
عودة الدولة
ما يجمع بين موقفي الرئيسين عون وسلام هو أنهما يعكسان محاولة جدية لإعادة تعريف دور الدولة اللبنانية. فلبنان الذي عاش لعقود تحت وطأة معادلة مختلّة تقوم على وجود قوة عسكرية موازية للدولة، يبدو اليوم وكأنه يحاول استعادة المبادرة، ليس فقط عبر القرارات الحكومية، بل أيضًا عبر خطاب سياسي جديد يضع مصلحة الدولة فوق حسابات المحاور الإقليمية.
وهذا التحول لا يأتي من فراغ. فالحرب الأخيرة وما رافقها من دمار ونزوح واسع كشفا مرة أخرى أن لبنان لا يستطيع أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
طريق السلام
في هذا السياق، تبدو المبادرة التي طرحها الرئيس اللبناني خطوة أولى نحو مسار أوسع قد يقود، في نهاية المطاف، إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية وربما فتح الباب أمام سلام حقيقي في المنطقة.
فالسلام الذي يتحدث عنه المسؤولون اللبنانيون لا يعني قبول الشروط الإسرائيلية أو التخلي عن الحقوق الوطنية، بل يعني ببساطة إنهاء حالة الحرب الدائمة التي تحولت إلى عبء ثقيل على الدولة والمجتمع معًا.
ومن هذه الزاوية، تبدو مواقف الرئاسة والحكومة أقرب إلى محاولة لإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كدولة تبحث عن الاستقرار والازدهار، لا كساحة صراع بالوكالة.
في مكان آخر… غيبوبة مستمرة
لكن بينما كانت الدولة اللبنانية تحاول فتح نافذة نحو المستقبل، جاء بيان صادر عن حزب الله ليذكّر اللبنانيين بأن جزءًا من المشهد السياسي ما زال يعيش في زمن آخر.
فقد سارع الحزب إلى تهنئة المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، معلنًا تجديد "العهد والوفاء لخط الولاية".
وفي وقتٍ كان فيه لبنان يحاول تجنّب الانجرار إلى حرب مدمرة، بدا البيان وكأنه إعلان جديد بأن الحزب لا يزال يرى نفسه جزءًا من مشروع إقليمي يتجاوز حدود الدولة اللبنانية.
وهكذا، بينما تحاول بيروت الرسمية أن تفتح بابًا نحو السلام والاستقرار، يبدو أن الحزب ما زال متمسكًا بعقيدة سياسية وعسكرية تجعل ولاءه الأول خارج حدود لبنان، لصالح الولي الفقيه.
مفترق طرق
المشهد اللبناني يقف اليوم عند مفترق طرق واضح. فإما أن ينجح مشروع الدولة الذي يحاول رئيسا الجمهورية والحكومة تثبيته، فتبدأ البلاد مرحلة جديدة من استعادة السيادة والاستقرار، وإما أن تبقى رهينة معادلة السلاح الخارج عن الدولة، بما يعني استمرار الدوران في الحلقة نفسها من الأزمات والحروب.
لكن المؤكد أن الرسائل التي صدرت من قصر بعبدا والسراي الحكومي، يوم الاثنين، تشير بوضوحٍ إلى أن لبنان الرسمي بدأ أخيرًا السير في الاتجاه الذي يريده معظم اللبنانيين، بجديةٍ واضحة ومسؤوليةٍ كاملة: دولة واحدة، وجيش واحد، وسلام يضع حدًا لحروب الآخرين على أرضه... وهنا يكمن البيت في القصيد.
* إعلامي وكاتب لبناني










03/09/2026 - 11:27 AM





Comments