هل يطرق شبح الشرقيّة والغربيّة باب لبنان من جديد؟

03/09/2026 - 10:21 AM

Bt adv

 

 

سيلفانا سمعان

مع اتساع رقعة الحرب على الأراضي اللبنانية ونزوح مئات الآلاف من المدنيين من قراهم وبلداتهم، يعود شبح قديم ليخيّم على البلاد. ففي وطن يحمل ذاكرة حرب أهلية طويلة، يطرح ما يجري اليوم سؤالًا مقلقًا: هل يمكن أن تعود الانقسامات التي عرفها اللبنانيون يومًا عندما انقسمت بيروت بين شرقية وغربية؟

الحروب الأهلية نادرًا ما تبدأ فجأة. غالبًا ما تنمو بصمت داخل المجتمعات، بينما ينشغل الجميع بمواجهة خطر خارجي. تبدأ المواجهات على الحدود، لكن آثارها تتسلل ببطء إلى الداخل، حيث تتراكم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حتى يصل المجتمع إلى نقطة الانفجار. وهذا هو الخطر الذي يواجهه لبنان اليوم.

فالحرب الدائرة على أراضيه تضغط بعمق على مجتمع يعاني أساسًا من الانهيار الاقتصادي والانقسام السياسي والتوتر الطائفي. المشكلة لا تكمن في الصواريخ وحدها، بل في ما تتركه خلفها: نزوح واسع، فقر متزايد، وسلاح غير شرعي منتشر داخل مجتمع هش. والسؤال: كم ضغطًا يستطيع مجتمع واحد أن يتحمّل قبل أن يبدأ بالتصدّع من الداخل؟

ومع اتساع دائرة المواجهة، أُجبرت أعداد كبيرة من العائلات على مغادرة مناطقها. بعض التقديرات تشير إلى أكثر من مليون نازح داخل بلد صغير يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية غير مسبوقة. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 80% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر منذ بداية الانهيار المالي عام 2019. في مجتمع يرزح تحت هذا المستوى من الضيق، يصبح أي ضغط إضافي عاملًا خطيرًا قد يفتح الباب أمام توترات اجتماعية متزايدة.

الفقر لا يبقى مجرد أزمة معيشية. مع الوقت يتحول إلى بيئة خصبة للعنف الاجتماعي. ومع تراجع فرص العمل وازدياد المنافسة على الموارد المحدودة، تبدأ التوترات بالظهور بين المجتمعات المضيفة والنازحين، بينما تتعرض الخدمات الأساسية لضغط متزايد.

لكن ما يجعل الوضع اللبناني أكثر حساسية هو عامل آخر لا يقل خطورة: انتشار السلاح خارج إطار الدولة. فالمجتمع الذي تنتشر فيه الأسلحة بكثافة ويعيش في الوقت نفسه تحت ضغط اقتصادي واجتماعي حاد يصبح أكثر عرضة لانفلات أمني يصعب احتواؤه. وفي بلد ينتشر فيه السلاح خارج سلطة الدولة، يبقى السؤال الأكثر حساسية: من يملك القدرة فعليًا على ضبط لحظة الانفجار إذا بدأت؟

في مثل هذه الظروف، لا تحتاج المجتمعات إلى شرارة كبيرة كي تنزلق نحو العنف. أحيانًا يكفي حادث فردي أو توتر محلي محدود ليتحوّل سريعًا إلى صدام أوسع في بلد يقوم أساسًا على توازنات طائفية وسياسية دقيقة. والتجارب تثبت أن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في وقت واحد يجعل الاستقرار هشًا إلى درجة خطيرة.

اليوم، تبدو هذه العوامل مجتمعة في لبنان: حرب مستمرة على أراضيه، نزوح داخلي واسع، اقتصاد منهار، مستويات فقر غير مسبوقة، وسلاح منتشر خارج سلطة الدولة، في مجتمع يعيش أصلًا تحت ضغط سياسي وطائفي كبير.

المفارقة أن جزءًا كبيرًا من النقاش العام في لبنان يتركز على تفاصيل المعارك العسكرية: من بدأ الضربة الأولى، كيف جاء الرد، وما هي حسابات القوى الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بموجة من الخطاب السياسي والانفعالي الذي يزيد من الاستقطاب داخل المجتمع.

قال الفيزيائي ألبرت أينشتاين يومًا:

"الغباء هو أن يكرر الإنسان الفعل نفسه ويتوقع نتيجة مختلفة."

ولبنان جرّب هذا الطريق من قبل، عندما تحولت أراضيه إلى ساحة لصراعات أكبر منه، ودفع ثمن ذلك حربًا أهلية طويلة تركت جروحًا عميقة في المجتمع.

واليوم، مع اتساع الحرب وازدياد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يعود القلق القديم ليطلّ من جديد. الخطر الأكبر في هذه المرحلة ليس فقط اتساع الحرب مع العدو، بل احتمال أن تتحول تداعياتها تدريجيًا إلى صراع داخلي. فالمجتمعات المنهكة اقتصاديًا والمثقَلة بالنزوح والسلاح والانقسام السياسي لا تحتاج إلى حرب كبرى كي تنفجر. أحيانًا يكفي أن يستمر الضغط طويلًا حتى يبدأ الانفجار من الداخل.

وإذا حدث ذلك، فلن تكون الصواريخ الخطر الوحيد. الخطر الحقيقي سيكون اللحظة التي يكتشف فيها اللبنانيون أن الحرب التي كانوا يخشونها على الحدود قد انتقلت إلى داخل مجتمعهم. حينها لن تكون المواجهة مجرد حرب مع عدو خارجي، بل بداية فصل جديد من الانقسام الذي ظن كثيرون أن لبنان تركه خلفه منذ عقود.

وفي تلك اللحظة، يبقى السؤال الأعمق: هل كان الانفجار حتميًا… أم أن الجميع كان يراه يقترب ببطء ولم يفعل شيئًا لمنعه؟ ومن هو العدو الحقيقي للبنان؟.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment