الناقد والمحلل السياسي فرنسوا طانيوس الجردي
منذ قيام الثورة الإيرانية 1979 التي أطاحت بحكم الشاه محمد رضا بهلوي وأقامت نظام روح الله الخميني، بُنيت السلطة في إيران على معادلة تجمع بين الأيديولوجيا الدينية والسلطة الأمنية المركزية. هذا النموذج مكّن الدولة من الصمود عقوداً طويلة رغم الحروب والعقوبات والأزمات. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في الأوساط السياسية والبحثية هو: ماذا يحدث إذا سقط هذا النظام فجأة؟ وهل يمكن أن تدخل إيران في مرحلة فوضى قد تقود إلى صراع داخلي أو حتى تهديد وحدة الدولة؟
الإجابة الواقعية لا تكمن في التوقعات العاطفية أو الأمنية، بل في قراءة بنية الدولة والمجتمع والمعارضة معاً.
أول ما يجب فهمه هو أن إيران ليست دولة بسيطة التركيب، بل هي مجتمع متعدد القوميات والهويات. فالفرس يشكلون الكتلة الأكبر، لكن البلاد تضم أيضاً الأذريين والأكراد والعرب والبلوش والتركمان. هذا التنوع بقي متماسكاً تاريخياً تحت إطار الدولة المركزية، لكن في حالات الانهيار السياسي غالباً ما تعود الهويات المحلية إلى الواجهة، خصوصاً عندما تشعر بعض المجموعات بأن السلطة المركزية ضعفت أو فقدت قدرتها على فرض النظام.
لكن التعدد القومي وحده لا يكفي لتفسير احتمال الفوضى. العامل الأهم هو طبيعة النظام نفسه. فالنظام الإيراني خلال العقود الماضية لم يسمح بتطور حياة سياسية طبيعية، بل حصر السلطة بين مؤسسات دينية وأمنية أبرزها الحرس الثوري. هذا يعني أن المعارضة لم تتطور ضمن إطار سياسي موحد، بل تشكلت من أطراف متفرقة ومتناقضة: ملكيون يريدون عودة النظام الملكي، جمهوريون علمانيون، إصلاحيون من داخل النظام، إضافة إلى حركات قومية. هذه التعددية قد تتحول إلى مشكلة كبيرة في لحظة سقوط السلطة، لأن السؤال سيصبح: من يملأ الفراغ؟
في حال انهيار النظام دون انتقال منظم للسلطة، قد تنشأ عدة مراكز قوة. فمن جهة قد تحاول مؤسسات أمنية أو عسكرية الحفاظ على نفوذها، ومن جهة أخرى قد تتحرك قوى المعارضة في الداخل والخارج لفرض مشروعها السياسي. وفي مثل هذه الظروف يصبح الصراع على الشرعية أخطر من الصراع على السلطة نفسها.
كما أن بعض المناطق الطرفية قد تشهد توترات إضافية. فالأكراد في الغرب والبلوش في الجنوب الشرقي والعرب في خوزستان لديهم تاريخ من التوتر مع السلطة المركزية، ليس بالضرورة بدافع الانفصال الكامل، بل نتيجة مطالب تتعلق بالحقوق الثقافية والسياسية والتنموية. في ظل دولة قوية تبقى هذه المطالب تحت السيطرة، أما في ظل فراغ أمني فقد تتحول إلى حركات سياسية أو مسلحة تطالب بحكم ذاتي أوسع.
مع ذلك، من المبالغة القول إن سقوط النظام سيؤدي تلقائياً إلى تفكك إيران. فالتاريخ الإيراني يتميز بوجود شعور قومي عميق تشكل عبر قرون طويلة من الدولة المركزية والثقافة المشتركة. حتى كثير من القوميات غير الفارسية ترى نفسها جزءاً من الهوية الإيرانية، وإن كانت تطالب بحقوق أكبر ضمنها.
العامل الخارجي يلعب أيضاً دوراً حاسماً. فإيران دولة ذات موقع استراتيجي شديد الحساسية، وتجاورها قوى إقليمية كبرى، كما أن المجتمع الدولي يراقبها عن كثب بسبب دورها في التوازنات الإقليمية. لذلك فإن أي انهيار شامل قد يدفع قوى دولية وإقليمية إلى التدخل سياسياً أو حتى أمنياً لمنع تحول البلاد إلى ساحة فوضى تهدد المنطقة بأكملها.
في ضوء ذلك، يبدو السيناريو الأكثر واقعية في حال سقوط النظام هو مرحلة انتقالية صعبة مليئة بالصراعات السياسية وربما الأمنية، لكن ليس بالضرورة تفككاً جغرافياً فورياً للدولة. فالتحدي الحقيقي لن يكون في إسقاط النظام بحد ذاته، بل في القدرة على بناء بديل سياسي متفق عليه يحفظ وحدة الدولة ويمنع الانزلاق إلى صراع داخلي.
التاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار فقط عندما تسقط أنظمتها، بل عندما تعجز نخبها عن الاتفاق على ما يأتي بعد السقوط. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن هذا السؤال - سؤال "اليوم التالي" - ما زال حتى الآن بلا جواب واضح.










03/09/2026 - 01:21 AM





Comments