المحلل والناقد السياسي فرنسوا طانيوس الجردي
شكّل الاتصال الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع مع رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل حدثاً سياسياً لافتاً، ليس فقط لكونه تواصلاً بين مسؤولين من بلدين جارين، بل بسبب الرمزية العميقة التي يحملها في سياق تاريخ طويل من الخلافات والصدامات والقطيعة بين دمشق وقسم أساسي من القوى السياسية اللبنانية التي مثّلها تاريخياً حزب الكتائب.
فالعلاقة بين سوريا والكتائب لم تكن يوماً علاقة عادية. فمنذ اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، مروراً بمرحلة الوجود العسكري السوري في لبنان، وصولاً إلى مرحلة ما بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، كانت هذه العلاقة محكومة بقدر كبير من التوتر والخصومة السياسية. وقد شكّل هذا التاريخ أحد أبرز عناوين الانقسام في الحياة السياسية اللبنانية، حيث تموضع الكتائب في موقع القوى التي عارضت الدور السوري في لبنان، فيما كانت دمشق تنظر إلى هذه القوى باعتبارها جزءاً من محور سياسي مناهض لها.
من هنا، فإن مجرد حصول اتصال مباشر اليوم بين القيادة السورية ورئيس حزب الكتائب يحمل دلالة سياسية تتجاوز الشكل البروتوكولي، ليعبّر عن محاولة لكسر جدار القطيعة الذي استمر عقوداً طويلة. فالسياسة، مهما بلغت حدّة خلافاتها، تبقى في نهاية المطاف فن إدارة المصالح والتحولات، لا إدارة العداوات الدائمة.
من زاوية أولى، يمكن قراءة هذا الاتصال كإشارة إلى تحوّل تدريجي في المقاربة السورية تجاه المشهد السياسي اللبناني. فالتواصل مع حزب كان تاريخياً في موقع الخصومة مع دمشق يوحي بأن القيادة السورية الحالية تحاول اعتماد سياسة أكثر انفتاحاً على مختلف المكونات اللبنانية، أو على الأقل إرسال رسالة بأنها لا تمانع فتح قنوات حوار حتى مع القوى التي اختلفت معها بشدة في الماضي.
أما من زاوية ثانية، فإن قبول رئيس الكتائب بهذا التواصل يعكس بدوره واقعية سياسية تقوم على مبدأ أن العلاقة بين الدول لا يمكن أن تبقى رهينة صراعات الماضي. فلبنان وسوريا تجمعهما جغرافيا وتاريخ ومصالح متشابكة، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية بين بعض القوى اللبنانية والقيادة السورية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذا الاتصال يشكل بداية مسار سياسي جديد أو تحولاً جذرياً في العلاقات اللبنانية – السورية، إذ إن مثل هذه التحولات تحتاج إلى وقت وإلى خطوات عملية متبادلة. إلا أن رمزية الحدث تكمن في كونه يفتح الباب أمام إمكانية الانتقال من مرحلة القطيعة المطلقة إلى مرحلة التواصل السياسي، ولو في حدوده الدنيا.
كما يمكن النظر إلى هذا التطور أيضاً في سياق التحولات الإقليمية الأوسع، حيث تشهد المنطقة في السنوات الأخيرة موجة من إعادة ترتيب العلاقات بين خصوم سابقين، انطلاقاً من إدراك متزايد بأن الصراعات المفتوحة تستنزف الجميع ولا تحقق استقراراً دائماً.
في المحصلة، قد لا يغيّر هذا الاتصال وحده مسار العلاقات بين دمشق وبعض القوى اللبنانية، لكنه يحمل رسالة سياسية واضحة: أن الزمن السياسي يتغير، وأن ما كان مستحيلاً بالأمس قد يصبح ممكناً اليوم. وفي هذا المعنى، فإن الاتصال بين دمشق والكتائب يكتسب رمزية تتجاوز مضمونه المباشر، ليصبح مؤشراً على احتمال فتح صفحة مختلفة، أو على الأقل أقل توتراً، في علاقة طالما اتسمت بالصدام والقطيعة.
فالسياسة في نهاية المطاف لا تُبنى على ذاكرة الصراعات وحدها، بل على القدرة على قراءة التحولات وصناعة الفرص عندما تلوح في الأفق.










03/08/2026 - 10:16 AM





Comments