فاروق غانم خداج *
غدًا يحلّ عيد المعلم في لبنان، لكنه يأتي هذا العام مثقلاً بأسئلة موجعة، أكثر من كلمات التهنئة التي اعتدناها في مثل هذه المناسبة. فكيف يحتفل المعلم بعيده، في بلدٍ يكاد يطلب منه كل يوم أن يعتذر عن اختياره هذه المهنة؟
في الذاكرة اللبنانية، كان المعلم دائمًا شخصية مهيبة. كان الأب يسلم ابنه إلى المعلم بثقة من يسلم الأمانة، كأنه يقول له: هذا ابني، أضع مستقبله بين يديك. لم يكن المعلم مجرد موظف، بل كان صاحب رسالة، وكان الصف مكانًا تُصنع فيه العقول قبل أن تُشرح فيه الدروس.
من قرى الجبل الصغيرة إلى مدارس المدن الكبرى، كان المعلم اللبناني جزءًا من صورة لبنان الثقافية. كان يحمل اللغة في صوته، والتاريخ في ذاكرته، ويزرع في طلابه حب المعرفة واحترام الكرامة الإنسانية. لكن هذه الصورة بدأت تتصدع في السنوات الأخيرة، ليس لأن المعلم تغيّر، بل لأن الوطن نفسه تغيّر.
في بلدٍ أكلت خيره مجموعة من حكامه، وجد المعلم نفسه فجأة في مواجهة واقعٍ لم يكن يتخيله. حين انهارت العملة الوطنية، لم تنهَر الأرقام الاقتصادية فقط، بل انهارت معها حياة آلاف المعلمين. الرواتب التي كانت بالكاد تكفي لحياة متواضعة تحولت اليوم إلى ما يقارب 500 إلى 600 دولار شهريًا في أفضل الحالات، وهي مبالغ لا توازي الحد الأدنى لتكاليف العيش في بلدٍ تتزايد فيه الأسعار بلا رحمة.
وهكذا وجد المعلم نفسه رهين معادلة قاسية: رسالة سامية من جهة، وحياة تثقل كاهله من جهة أخرى.
لم يعد السؤال الذي يرافقه صباحًا: كيف أشرح الدرس بطريقة أجمل؟ بل صار السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف أؤمّن لقمة أطفالي؟
في السنوات الأخيرة، اضطر كثير من المعلمين إلى البحث عن أعمال إضافية. بعضهم صار يعمل سائقًا بعد انتهاء الدوام، وبعضهم فتح عملاً بسيطًا في المساء، وبعضهم اختار طريقًا أصعب: الهجرة.
كثير من المعلمين الذين غادروا لبنان لم يهاجروا لأنهم أرادوا ذلك، بل لأنهم شعروا أن الوطن الذي أحبوه لم يعد قادرًا على حمايتهم. حملوا معهم خبراتهم الطويلة، وأصبحوا في بلادٍ أخرى بناة أجيال جديدة، فيما خسر لبنان جزءًا من طاقته التربوية التي كان بأمسّ الحاجة إليها.
أما الذين بقوا، فقد بقوا لأن في هذه المهنة شيئًا يشبه الإيمان الصامت. بقوا لأنهم لم يريدوا أن يتركوا الصفوف فارغة، ولم يريدوا أن يصبح الطلاب ضحايا إضافيين للأزمة.
تحكي إحدى المعلمات في عاليه، بكلمات تختصر آلاف الحكايات:
"أخطط لدرسي وأنا أفكر في فاتورة الخبز. أصحح الدفاتر وأنا أحسب كيف سأدبر مصروف الأسبوع. أحيانًا أخشى أن يقرأ طلابي على وجهي التعب قبل أن يقرأوا الدرس."
هذه الكلمات البسيطة تختصر مأساة كاملة. فالمعلم الذي يفترض أن يكون مصدر الطمأنينة الفكرية للطلاب، يعيش هو نفسه قلقًا يوميًا على تفاصيل الحياة.
لكن التحدي الذي يواجهه المعلم اليوم لا يقتصر على تأمين لقمة العيش. فالكثير من الطلاب يدخلون الصفوف وهم يحملون معهم إحباط بلدٍ كامل. وهنا يجد المعلم نفسه في مواجهة مهمة أصعب: ليس فقط أن يشرح الدرس، بل أن يحرس الثقة بالغد.
فالمعلم في لبنان لم يعد مجرد ناقل معرفة، بل أصبح في كثير من الأحيان آخر من يحاول أن يقنع الطفل بأن المستقبل ما زال ممكنًا.
إن مأساة المعلم في لبنان ليست مجرد مشكلة رواتب. إنها أزمة رؤية. فحين تُهمَل المدرسة، يُهمَل مستقبل البلاد. وحين يُترك المعلم وحيدًا في مواجهة الحياة، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.
لقد أنفقت الحكومات المتعاقبة في لبنان أموالًا طائلة في مجالات كثيرة، لكن التعليم لم يكن يومًا في قلب الأولويات. تُركت المدارس الرسمية تعاني من نقص الإمكانات، وتُرك المعلمون يقاومون الظروف بجهودهم الفردية، فيما كانت خطابات الإصلاح تتكرر دون أن تتحول إلى واقع.
وفي زاوية أكثر ظلمة من هذه الصورة يقف معلمو المدارس الرسمية، حيث الغياب شبه الكامل للدعم، وحيث يدفع المعلمون ثمن رسالتهم من صحتهم وأعصابهم، في مدارس تكاد تنهار تحت ثقل الإهمال.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الفقر وحده، بل في تآكل المكانة المعنوية للمهنة.
فالمعلم ليس موظفًا عاديًا في مؤسسة إدارية، بل صانع العقول. وكل اهتزاز في مكانته ينعكس مباشرة على منظومة القيم التي تقوم عليها التربية.
فكيف لطالب أن يرى في معلمه قدوة، إن كان المعلم نفسه منهكًا بهموم البقاء، قلقًا على قوت يومه؟
ومع ذلك، فإن ما يحدث في كثير من المدارس اللبنانية يستحق التأمل. فوسط هذه الظروف القاسية، ما زال المعلمون يحاولون أن يحافظوا على شعلة التعليم. بعضهم يشتري الوسائل التعليمية من ماله الخاص، وبعضهم يقضي ساعات إضافية مع طلابه، وبعضهم يحاول أن يمنح الأطفال شيئًا من الطمأنينة في بلدٍ يضيق بالأمل.
إن الذي يجعل المعلم يستمر، رغم كل التعب، هو شعوره بأن التعليم ليس وظيفة عادية. كل درس يُعطى في الصف هو بذرة تُزرع في عقل طفل، وكل فكرة تُشرح قد تتحول يومًا إلى وعي جديد.
لكن المفارقة المؤلمة أن المعلم الذي يحاول أن يزرع الثقة في عقول طلابه، يعيش هو نفسه في وطن يكاد يفقد ثقته بنفسه.
وفي زاوية أخرى من هذه الحكاية يقف معلمون شباب اختاروا هذه المهنة رغم علمهم بكل شيء. إنهم لا يحلمون بأن يصبحوا أثرياء، بل يحلمون فقط بأن يبقوا قادرين على النظر في عيون طلابهم دون أن يخجلوا من رواتبهم.
إن عيد المعلم، في معناه الحقيقي، ليس مناسبة لتبادل العبارات الجميلة، بل لحظة يجب أن يتوقف فيها المجتمع قليلًا ليسأل نفسه: ماذا فعلنا لمن يصنع مستقبل أبنائنا؟
المعلم لا يطلب المستحيل.
لا يطلب القصور ولا الامتيازات الفاخرة.
كل ما يطلبه حياة كريمة تسمح له أن يعيش بسلام، وأن يفكر في رسالته بدل أن ينشغل كل يوم بحسابات البقاء.
إنه يريد راتبًا عادلًا، ومدرسة قادرة على العمل، ودولة ترى فيه شريكًا في بناء الوطن لا مجرد موظف في آخر سلّم الاهتمامات.
هذه مطالب تبدو بديهية في أي بلد طبيعي، لكنها في لبنان تحولت إلى أحلام بعيدة.
ومع ذلك، يبقى في هذه المهنة شيء يشبه العناد الجميل. فالمعلمون الذين ما زالوا يقفون كل صباح أمام السبورة يعرفون أن التعليم هو آخر ما يجب أن يسقط في بلدٍ يحلم بالنجاة.
قد لا يملكون سلطة القرار، لكنهم يملكون سلطة أعمق: القدرة على تشكيل العقول.
والأوطان، في النهاية، لا تقوم فقط على الحكومات، بل تقوم قبل كل شيء على العقول التي تؤمن بها.
وغدًا، حين يأتي عيد المعلم، قد لا تتغير الظروف فجأة. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي هذه: إذا أراد لبنان أن ينهض يومًا، فعليه أن يبدأ من حيث بدأ سقوطه — من المدرسة.
ففي ذلك الصف الصغير يقف معلم متعب، يحمل طبشورة صغيرة، لكنها في يده ليست مجرد أداة للشرح، بل آخر ما تبقّى من حلم هذا الوطن…
آخر حلم لبنان قبل أن يبتلعه الانهيار الكامل.
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني










03/08/2026 - 06:30 AM





Comments