المرأة السورية بين التهميش وضرورات إعادة الإعمار بمناسبة اليوم العالمي للمرأة

03/07/2026 - 10:28 AM

Atlantic home care

 

 

 

كتب بركات شاهين

في الثامن من آذار من كل عام يحتفل العالم بـاليوم العالمي للمرأة، بوصفه مناسبة لتقييم موقع المرأة في المجتمعات ومدى مشاركتها في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق يبرز سؤال مهم في الحالة السورية: لماذا تراجع دور المرأة السورية في الحياة السياسية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، وهل يمكن لأي مشروع لإعادة الإعمار أن ينجح دون مشاركة حقيقية للنساء؟

منذ عقود، عُرفت المرأة السورية بحضورها الملحوظ في مجالات التعليم والعمل. ففي المراحل الدراسية الأولى، نلاحظ تقارباً كبيراً بين عدد الذكور والإناث في التعليم الابتدائي، ما يعكس رغبة اجتماعية عامة في تعليم الفتيات. غير أن هذا التوازن يبدأ بالتراجع تدريجياً في المراحل التعليمية الأعلى، ليصبح أقل وضوحاً في المرحلة الثانوية، ويتقلص بشكل أكبر في الجامعات.

ومع الانتقال إلى سوق العمل، تتسع الفجوة أكثر، حيث تنخفض نسبة مشاركة النساء في الوظائف إلى أقل من 20% في العديد من القطاعات، بينما تصبح النسبة أكثر تواضعاً في مواقع صنع القرار، سواء في المؤسسات الحكومية أو البرلمان أو التنظيمات الاجتماعية. هذا التراجع لا يعكس فقط مشكلة تمثيل، بل يشير أيضاً إلى فقدان المجتمع لجزء مهم من طاقاته البشرية.

في المقابل، تقدم دول شمال أوروبا نموذجاً مختلفاً تماماً في تمكين المرأة. فقد حققت دول مثل السويد وأيسلندا والنرويج والدنمارك وفنلندا مستويات متقدمة جداً في مشاركة النساء في سوق العمل والحياة السياسية، حيث تتجاوز نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة في السويد 80%، إضافة إلى حضور واسع في المناصب القيادية وصناعة القرار. وقد أثبتت هذه التجارب أن المجتمعات التي تستثمر في طاقات النساء تحقق مستويات أعلى من التنمية والاستقرار.

كما أن التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم مثالاً مهماً. ففي ألمانيا لعبت النساء دوراً أساسياً في إعادة إعمار البلاد بعد دمار الحرب، حيث شاركن في إعادة بناء المدن والاقتصاد والمجتمع، وأصبحن رمزاً لمرحلة النهوض من جديد.

إن تهميش المرأة أو تقليص دورها في الحياة العامة لا يمكن أن يكون وصفة للاستقرار أو الانتعاش الاقتصادي. على العكس تماماً، فإقصاء نصف المجتمع يعني عملياً إهدار نصف القدرات البشرية التي يحتاجها أي مشروع وطني للنهوض.

اليوم، ومع الحديث عن إعادة إعمار سوريا، لا يكفي التركيز على إعادة بناء الحجر فقط، بل يجب إعادة بناء المجتمع نفسه. ويتطلب ذلك خلق بيئة جاذبة لنشاط المرأة، تتيح لها المشاركة في العمل والإدارة وصنع القرار، وتمنحها الشعور بأنها شريك حقيقي في مستقبل البلاد.

إن إعادة الإعمار ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي أيضاً عملية اجتماعية وسياسية تحتاج إلى التفاف شعبي واسع. وقد شهدت المنطقة العربية في مراحل تاريخية سابقة حالات من الحماس الشعبي الكبير، كما حدث بعد حرب السويس أو خلال الثورة الجزائرية، حيث لعبت الجماهير دوراً حاسماً في دعم مشاريع التحرر والبناء.

غير أن خلق مثل هذا الحماس الشعبي يتطلب إشراك المجتمع كله في عملية النهوض، رجالاً ونساءً على حد سواء. فالمجتمع الذي يشعر أفراده بأن لهم دوراً في صياغة مستقبله يكون أكثر استعداداً للتضحية والعمل والمشاركة.

إن تمكين المرأة السورية ليس قضية فئوية أو مطلباً نخبوياً، بل هو شرط أساسي لأي نهضة حقيقية. فالمجتمعات لا تتقدم بنصف طاقتها، ولا يمكن لأي مشروع لإعادة الإعمار أن ينجح إذا ظل نصف المجتمع على هامش الحياة العامة.

وفي اليوم العالمي للمرأة، ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب طرحه: كيف يمكن تحويل المرأة السورية من متفرج على عملية إعادة الإعمار إلى شريك كامل فيها؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أحد مفاتيح مستقبل سوريا.

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment