عصام أبوبكر
بدأت حرب إيران باغتيال "علي الخامنئي" المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، والذي كان من المتوقع اغتياله، وهو الطبيعي بالنسبة لأمريكا ولإسرائيل، لأن هدف الحرب الرئيسي هو إسقاط النظام الإيراني، ولإسقاطه كان لابد من قطع رأس النظام الذي يتمثل في خامنئي.
موضوع خامنئي ليس قضية سياسية فقط، وإنما هو قضية تأليه؛ فالإيرانيون يتعاملون مع المرشد على أنه وكيل للإله أو إله بحد ذاته، على شاكلة تقديس رجال الدين والبابا في أوروبا في العصور الوسطى قبل ثورة التنوير وفصل الدين عن الدولة. أمريكا وإسرائيل لا تتوافقان مع أي تغيير سياسي ديني في إيران، بل تريدان القضاء على النظام الديني "نظام الملالي برمّته". فإيران بالنسبة لأمريكا وإسرائيل أصبحت ضعيفة، منهكة، مخترقة، وذات اقتصاد ضعيف. فالقضية ليست فقط حربًا خارجية أمريكية إسرائيلية، وإنما أيضًا معارضة داخلية، وشعبًا مضطهدًا، وقيادات تم اغتيالها، وقيادات خائنة للنظام والمرشد، مما شجّع أمريكا على اغتيال خامنئي.
موت خامنئي لا يعني حدثًا عابرًا في مشهد سياسي، بل قد يشكّل بداية انهيار ونهاية الإسلام السياسي الشيعي والسني المدعوم من إيران وتأثيره عليها وعلى الشرق الأوسط بأكمله. فنحن نعيش اليوم فعليًا مرحلة تُشبه ما عاشته أوروبا قبل نحو 500 عام؛ حين بدأ التحول لنهاية الدور السياسي للكنيسة التي كانت تحكم باسم “وكالة الله على الأرض”، وحين كان تقديس رجل الدين يصل، بسبب الجهل، إلى اعتباره أحيانًا في مرتبة الإله.
مما لا شك فيه أن إسرائيل والمال الصهيوني في أمريكا هما الداعم الرئيسي في "عودة ترامب" مرة أخرى إلى البيت الأبيض. فلا تستهينوا بدعم نتنياهو والصهاينة لترامب، لكن هذا الدعم سيكون بمقابل. ومن الواضح أن هناك صفقة داخلية بين نتنياهو وترامب لتحقيق جميع أحلام إسرائيل في الشرق الأوسط والعالم، وعلى رأسها ضرب إيران والتي بدأت باغتيال خامنئي. فبعد الانتهاء من إيران وفق المخطط الأمريكي الإسرائيلي، حينها سيقود العالم محوران وهما أمريكا وإسرائيل، والهدف السيطرة على الشرق الأوسط. لذلك كان من الضروري إزاحة قوة إقليمية مثل "إيران" التي لا تتماشى مع السياسة الأمريكية في المنطقة. فلم يكن بإمكان ترامب أن يقرر في مصير إيران سلميًا، بل كان ملزمًا أن يسير حسب مخطط نتنياهو في القضاء على إيران.
ويبدو أن إيران دفعت ثمن دعمها لحماس وحزب الله والحوثيين. فأمريكا عقب 7 أكتوبر سمحت "بالتنسيق مع إيران" لإسرائيل بضرب بعض المواقع الحيوية مثل محطات إطلاق الصواريخ أو محطات توليد الكهرباء أو مقرات أمنية دون ضرب المفاعلات النووية أو المحطات النفطية وقتها، لأسباب خاصة بترتيب الوضع الداخلي في أمريكا لحين الانتهاء من الانتخابات الأمريكية "والتي قامت أمريكا بضربها لاحقًا في حرب الـ12 يومًا". مقابل ذلك سمحت إيران بإطلاق يد إسرائيل في غزة وفي لبنان وفي حزب الله دون تدخل من إيران أو مساعدة، بمعنى أنها سمحت وقتها أمريكا لإسرائيل بضربة محدودة لإيران مقابل أن تضحي إيران بحماس وحزب الله، وأن تتركهم فريسة لإسرائيل مقابل عدم ضرب منشآتها النووية.
وكانت هذه هي "الخديعة الأمريكية" أو الفخ الأمريكي الذي وقعت فيه إيران حين تركت أذرعها تتساقط في المنطقة دون التدخل لحمايتها أو حتى حماية الأذرع لبعضها البعض مقابل وعد أمريكي بعدم المساس بالمفاعلات النووية. فقد تخلى حزب الله عن حماس بعد أحداث حرب 7 أكتوبر وتركها تواجه مصيرها وحربها لوحدها في غزة دون أي دعم أو مساعدة، إلا من بعض الصواريخ التي كان يطلقها الحزب من حين لآخر لإثبات فقط أنه موجود، وانحصر دوره في المساندة فقط فيما أطلق عليها "حرب الإسناد". وكان ذلك طبعًا بإيعاز من إيران أو بتوجيه منها بعدم التدخل في الحرب مقابل وعد خادع من أمريكا بالحفاظ على برنامجها النووي ومصالحها. كما تخلت عن الحوثيين في اليمن وتركتهم فريسة لأمريكا على نفس المبدأ وهو الحفاظ على برنامجها النووي. وكانت هذه هي "الخديعة الأمريكية" التي صدقتها إيران.
حتى أن قضية تضخيم إيران وقوتها العسكرية هي فرقعة إعلامية سياسية وليست حقيقة يجب الاستناد لها، وتقع تحت "الخديعة الأمريكية" ولكن هذه المرة للعرب، حيث تم تضخيم قوتها لتستخدمها أمريكا وإسرائيل بمثابة "فزاعة" للعرب حتى تتغلغل إيران في الوطن العربي السني وتقوم بتدميره. وقد أوجدت النقطة المحورية التي تقنع العرب بأهمية دورها في تجنيد أذرع وخلايا لها من داخل هذه الدول، وهذه النقطة هي إسرائيل. فإيران تعلم جيدًا أن العرب لديهم نقطة ضعف يتعاطفون معها ويتحمسون لها وهي "إسرائيل". وكل من يقف في وجه إسرائيل—even لو كان الفعل غير ذي قيمة أو فعلاً مدمّرًا للعرب أنفسهم—فهو مقبول وإيجابي. لذلك أنشأت إيران خلايا وأذرعًا ودعمتهم بفتات المال وبعض التدريبات وجندتهم باسم المقاومة والجهاد والإسلام ومقاومة الكيان الغاصب "إسرائيل".
وهنا برزت سياسة إيران الخبيثة في تدمير غزة ولبنان واليمن والعراق وسوريا تحت شعار محاربة إسرائيل وخط المقاومة أو الممانعة، وهي شعارات زائفة غير حقيقية. ورغم الدمار الذي لحق هذه الشعوب نتيجة النهج الإيراني، إلا أن الشعوب العربية تصدق أن هذا النهج هو الصحيح، وكلما زاد الدمار وعدد القتلى يبدو لهم أن النصر قادم. إيران لو كانت دولة قوية وتريد فعلاً سحق إسرائيل، فلماذا صمتت على وجود إسرائيل منذ العام 48 و67 أي النكبة والنكسة؟ ولماذا الآن ترسل الصواريخ الباليستية لضرب إسرائيل بعد أن قامت إسرائيل بضرب مفاعلاتها النووية واغتيال قادتها العسكريين وعلمائها النوويين؟ فعملية التضخيم لحجم ما قامت به إيران يخدم إسرائيل وحلفاءها.
ربما كانت تنتظر إسرائيل الفرصة المناسبة لحين ترتيب الوضع الأمريكي والشرق أوسطي وعودة ترامب مرة أخرى لضرب إيران. ولضرب إيران كان لابد أولاً من القضاء على أذرعها في المنطقة: حماس، حزب الله، الحوثيين، والحشد الشعبي، ثم بعدها مهاجمة رأس الأخطبوط من وجهة نظر أمريكا وإسرائيل "طهران". وهذا ما حدث بالفعل. كما أن إسرائيل تطوعت لدفع ثمن حربها ضد إيران من خسائر بشرية واقتصادية قد تلحق بها مقابل وعد من ترامب بهيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط لاحقًا فيما يعرف بالشرق الأوسط الجديد.
حرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران هي حرب أمريكية بالمطلق، فهذه حرب أمريكا، وما إسرائيل إلا أداة لتنفيذ هذه الحرب. وستشكر أمريكا إسرائيل على تدمير غزة وإنهاء حزب الله والحوثيين وأوسلو وإسقاط النظام الداعم لإيران في سوريا، وضرب إيران. وما لم تستطع إسرائيل القيام به من ضرب منشآت "فوردو" النووية لعدم امتلاكها لهذه النوعية من القاذفات، قامت به أمريكا. والهدف من ذلك إعادة مجد الولايات المتحدة الأمريكية في العالم مرة أخرى بتعزيز وجودها في المنطقة من خلال قاعدة عسكرية جديدة خاصة بها ستكون في قطاع غزة مع دور مباشر لها في الضفة الغربية.
وفيما يبدو أن لدى إسرائيل مخططات جاهزة لإنهاء النظام الإيراني وتدمير إيران اقتصاديًا، وبالتأكيد القضاء على مشروع المفاعل النووي الإيراني المنافس الوحيد لها في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى إنهاء الإسلام السياسي عالميًا والمتمثل باغتيال خامنئي، والذي كان على رأس قائمة الاغتيالات، وتفعيل المعارضة داخل إيران المنهكة اقتصاديًا أساسًا.
لكن القضاء على النظام في إيران مسألة طويلة قد تمتد لسنوات، وستكون بعد تجريدها من كل مصادر الدعم والقوى الدولية بعد انتهاء أذرعها إقليميًا. فضرب إيران لن يكون أمريكيًا فقط، وإنما تحالفات قوى عظمى على رأسهم أمريكا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا ومعها بعض الدول العربية. فردع إيران هو جزء من تقليل هيمنة روسيا وبوتين ومسحها من خارطة التأثير في الشرق الأوسط وإعادة ترتيب العالم من جديد.










03/07/2026 - 08:58 AM





Comments