سيلفانا سمعان *
في لبنان اليوم، لم تنهَر المنازل وحدها، بل انهارت معها حياة الناس على الطرقات وفي الأزقة. أطفال يبكون بلا مأوى، نساء منهكات، مرضى وأشخاص من ذوي الإعاقة يجلسون بين الركام والضياع، يحاولون البقاء وسط عالم يبدو أنه نسيهم. الأزقة تحوّلت إلى غرف مفتوحة، والوجوه المنهكة تبحث عن لقمة أو مأوى، فيما ترتسم ضحكات صامتة تحاول إخفاء الخوف والارتباك. وفي قلب هذا الخراب، تتردد الكلمات ذاتها: "فداء… فداء… فداء."
التمسّك بالولاء ليس شعاراً سياسياً أو فكرة مجردة؛ إنه نتاج تنشئة طويلة بدأت منذ الطفولة، وترسّخت في تفاصيل الحياة اليومية عبر المدارس، الأنشطة الجماعية، والخطاب الاجتماعي. هنا، الإيديولوجيا ليست شعارات فارغة، بل شبكة متكاملة تربط الولاء بالصمود، والخسارة بالبطولة، والهوية بالانتماء الجماعي. إنها عملية مستمرة لإعادة تشكيل الوعي، تجعل الخسارة اختباراً للثبات، والحطام خلفية للبطولة في نظر من عاشوا الصدمات المتتالية.
من الناحية النفسية، يظهر ما يسميه علماء النفس التنافر المعرفي: العقل يحاول إعادة تفسير الواقع بدلاً من هدم المعتقدات التي شكّلت هوية الفرد. الصدمة المستمرة، فقدان المنازل والكرامة، والمعاناة اليومية تدفع الإنسان إلى الاحتماء بروايته الخاصة حفاظاً على توازنه النفسي، حتى لو كان الثمن انفصالاً عن الحقيقة المحيطة. فالاعتراف بأن الألم لم يُثمر، أو أن الخسارة بلا معنى، قد يشكّل انهياراً داخلياً كاملاً. لذلك يتمسّك الناس بالولاء، لا لأنهم لا يرون الواقع، بل لأن مواجهة الحقيقة تهدد وجودهم النفسي والاجتماعي.
الانتماء هنا لا يقتصر على موقف سياسي، بل يصبح تعريفاً للذات داخل الجماعة. أي نقد أو تشكيك في الولاء يُفسَّر كتهديد مباشر للهوية، فيتحوّل الرد الدفاعي إلى حاجز نفسي يحمي الكرامة وسط الخراب. هذا الانقسام بين الداخلي والواقعي، بين المأساوي والمقدّس، يولّد صراعاً دائماً يصعب فصله عن الهوية الفردية والجماعية.
الجانب الاجتماعي والسياسي يتداخل بعمق مع الجانب النفسي. فالانقسام بين من يدعو إلى المراجعة والمحاسبة، ومن يتمسّك بالولاء، وبين الصامتين الذين يراقبون ويفكرون، يعكس حجم الانكسار النفسي والاجتماعي والهوية الجماعية. الإيديولوجيا هنا تعمل يومياً عبر التنشئة، المناهج الخاصة، العادات والطقوس، بحيث يصبح الولاء جزءاً من الوعي الجمعي، وأي تشكيك فيه يُنظر إليه كتهديد للذات.
كل هذه الطبقات من الألم النفسي، الصدمة الاجتماعية، والولاء المبرمج منذ الصغر تجعل التعامل مع الواقع مهمة شاقة. فقد أصبح الصمود النفسي جزءاً من البقاء، والتمسّك بالولاء وسيلة للتوازن أمام الخراب، لا مجرد خيار فكري. في هذا السياق، تتحول الخسارة إلى تجربة شخصية وجماعية في آن واحد، تُختبر فيها الهوية والكرامة، ويصبح الصمود النفسي أهم من إدراك الحقائق المحيطة.
أمام هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن إعادة ترتيب وعي مجتمع عاش عقوداً تحت ولاء مبكر وتربية أيديولوجية مستمرة؟ هل يستطيع العلاج النفسي والاجتماعي الوصول إلى عمق الجرح، أم أن بعض الجروح أصبحت جزءاً من البنية النفسية والاجتماعية بحيث لم يعد بالإمكان علاجها؟
هل الولاء وسيلة للبقاء النفسي أم عقبة أمام مواجهة الحقيقة؟ وكيف يتعامل المجتمع مع من تربّوا على هذه التجربة: هل يُفهَمون، يُوقَفون، يُوجَّهون… أم ماذا؟
والسؤال الأعمق: هل يستطيع الجيل القادم أن يعيش واقعاً مختلفاً، بعيداً عن هذه الولاءات المتجذّرة، أم أن كل محاولة ستصطدم بجدران الهوية الراسخة؟
لبنان اليوم مجتمع يعيش بين الركام والولاء؛ وجوه فقدت كل شيء ما زالت متمسكة بولاء قديم. هنا تتشابك الصدمة النفسية، الواقع الاجتماعي، والتربية الأيديولوجية لتشكّل لوحة معقدة من الألم والصمود. وفي وسط كل هذا، يبقى السؤال الأكبر: كيف يمكن لمجتمع أن يواجه نفسه ويعيد ترتيب وعيه، عندما تصبح مواجهة الصدمة اليومية معركة مستمرة لا تنتهي، تتطلب النظر إلى الإنسان قبل السياسة، وإلى النفس قبل الإيديولوجيا؟
* متخصصة في العلاقات الدولية والدبلوماسية، مستشارة استراتيجية في الوساطة والقيادة، خبرة في منظومة الأمم المتحدة والحكومات والتواصل مع أصحاب المصلحة العالميين










03/07/2026 - 01:17 AM





Comments