العقول المحتلّة... ومسؤولية التحرير

03/06/2026 - 15:23 PM

A

 

 

 

 

رشيد ج. مينا

كيف لعقلٍ أن يتصدّى للغزاة، وأن يتحرّر من محتلّيه، حين يكون الاحتلال قد تمكّن منه؟ ليس هذا سؤالًا فلسفيًا، بل واقع معاش نراه ونلمسه في كلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا. فالمساحة التي باتت تُحتلّ يوماً بعد آخر، لم تعد الأرض أو الثروات فحسب، بل العقول ذاتها... حيث التفاهة تتسيّد على حساب القيمة، والسطحية تطغى على جوهر الإنسان.

لقد أصبحت وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي مرآة تعكس هذا الانحدار، وتروّج له، بل تصنعه وتسوقه كواقع وحيد. إنه الخطر الأكبر:

احتلال العقول. من هنا تبدأ المعركة... لا ضدّ عدو خارجي فحسب، بل ضد من استوطن داخل وعينا، وغيّر أولوياتنا، وسرقنا من ذواتنا ومن قضايا وجودنا.

كنا نعرف إنسانًا يعتمر عقله الإيمان والإنسانية والفكر، يشغل نفسه بالقضايا الكبرى، ويتحرك في ساحات التغيير، ينادي بالعدالة، ويقاوم الظلم والاستبداد. ملأ المنتديات والمنابر، وأشعل شرارات الحراك الشعبي في أكثر من مكان. لكن بعد عقود من ذلك الزخم، ها نحن نعيش نتائج مخيبة، تؤكد أن الهزيمة لم تكن فقط في الميادين، بل في داخل الإنسان.

لقد نجحت الرأسمالية المتوحشة في تسليع الإنسان، لا عبر استغلال قوته الجسدية أو موارده الاقتصادية فقط، بل من خلال السيطرة على عقله. جعلت منه رقمًا في معادلة السوق، ومستهلكًا بلا موقف، وتابعًا بلا وعي. تزامن ذلك مع صعود المشروع الصهيوني وتغوله في المنطقة، لا بقوة السلاح وحده، بل بضعف الوعي العربي، وانحسار البوصلة التي كانت تمثلها فلسطين: عنوان الوحدة والتحرر، والحق الإنساني والتاريخي.

إننا اليوم أمام مسؤولية لا تحتمل التأجيل، تقع على عاتق من تبقى من أصحاب العقول الحرة:

إعادة بناء الوعي، وترميم الثقة، وإحياء الروح الجماعية. فنحن بحاجة إلى توليد أيديولوجيا جديدة، منفتحة، واقعية، أخلاقية، متحررة من رواسب الهزيمة، ومن موروثات الوصاية والاستلاب. ويجب أن تستند إلى قراءة موضوعية لمسارنا، بما فيه من إخفاقات ودروس.

إن طبيعة الصراع لم تعد بين أفكار سياسية أو مشروعات اقتصادية فقط، بل بين التوحش والتسليع من جهة، والحرية والكرامة والإنسانية من جهة أخرى. بين الهيمنة المفروضة بالقوة، وبين التحرر كفعل إرادي ووعي متجذر.

وإذا كانت أدوات السيطرة باتت تشتغل على العقول أولًا، فإن أدوات التحرير لن تكون إلا عبر الوعي، والبحث، والنقد، والتعليم، والثقافة، والإبداع. وإن سلاحنا الحقيقي هو الشباب... صناع المستقبل، كما نريده نحن، لا كما تريدهم قوى السوق، وإسرائيل، وقوى التوحش.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment