الكاتب الصحفى عزت سلامة
دخلت الحرب على إيران مرحلة استعراضٍ واضحٍ للقوة، وسط احتمالات متزايدة لانفجار إقليمي واسع يهدد بتغييرات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة. وتشهد المنطقة واحدة من أخطر لحظاتها منذ سنوات، مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. فالغارات الجوية التي تستهدف مواقع داخل إيران، والردود الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تطلقها طهران، تؤكد أن المنطقة انتقلت من مرحلة التهديدات المتبادلة إلى مرحلة صراع مفتوح قد يتجاوز الضربات المحدودة نحو مشهد أكثر اتساعاً وتعقيداً.
ورغم أن الصورة الظاهرة توحي بأن الحرب مواجهة عسكرية مباشرة، إلا أن جوهرها الحقيقي يبدو صراعاً على النفوذ وإعادة ترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني الذي تمدد خلال السنوات الماضية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فيما ترى إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني وتطور القدرات الصاروخية لطهران يشكلان تهديداً وجودياً لا يمكن تجاهله أو تأجيله.
في المقابل، تدرك إيران أن ما يجري ليس مجرد ضربات عسكرية، بل محاولة لإضعافها استراتيجياً وربما دفعها إلى تقديم تنازلات سياسية كبيرة. لذلك تعتمد طهران على ما يمكن وصفه بـ"استراتيجية الرد غير المتكافئ" واستنزاف الخصم، عبر استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكة الحلفاء المنتشرة في المنطقة، لتوجيه رسالة مفادها أن أي حرب ضدها لن تكون محدودة أو سهلة، وأن الرد سيكون قاسياً وممتداً.
ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام حرب شاملة، أم مجرد جولة ضغط عسكري وسياسي؟ هناك من يرى أن ما يحدث يدخل في إطار "حرب الضغط القصوى"، حيث تستخدم واشنطن وتل أبيب القوة العسكرية لإجبار إيران على التراجع في ملفات حساسة، أبرزها البرنامج النووي ونفوذها الإقليمي. فالحروب الكبرى في العصر الحديث باتت مكلفة للغاية، وقد تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية، خصوصاً أن المنطقة ترتبط بأسواق الطاقة وممرات الملاحة الحيوية مثل مضيق هرمز.
لكن في المقابل، لا يمكن استبعاد سيناريو التصعيد، لأن الحروب كثيراً ما تبدأ بضربات محدودة ثم تتوسع تدريجياً لتخرج عن السيطرة. فوجود قواعد أمريكية في الخليج، وانتشار حلفاء إيران في عدة دول، قد يحوّل أي مواجهة إلى صراع إقليمي واسع وربما إلى مواجهة دولية غير مباشرة، خاصة إذا دخلت أطراف أخرى على خط النار.
اقتصادياً، تثير الحرب مخاوف كبيرة على مستوى العالم. فمجرد التوتر في منطقة الخليج ينعكس فوراً على أسعار النفط والتجارة العالمية، فكيف إذا تطورت الأحداث إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز؟ عندها سيواجه العالم أزمة طاقة حقيقية، وقد تتأثر سلاسل الإمداد العالمية بشكل غير مسبوق، ما يهدد بارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي في دول كبرى.
أما سياسياً، فإن هذه الحرب ستعيد رسم خرائط التحالفات في المنطقة. فبعض الدول ستسعى إلى تجنب الانخراط المباشر، بينما قد تجد دول أخرى نفسها مضطرة إلى الاصطفاف وفق حسابات أمنها ومصالحها. وقد يؤدي ذلك إلى ولادة توازنات جديدة، وربما إلى إعادة تشكيل التحالفات التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود.
وفي النهاية، يبقى الشرق الأوسط مرة أخرى على حافة معادلة صعبة: لا أحد يريد حرباً شاملة، لكن الجميع يرفع مستوى التصعيد. وبين الحسابات العسكرية والمصالح السياسية، تبقى الشعوب هي الطرف الذي يدفع دائماً ثمن الصراعات الكبرى، من دمائها واستقرارها ومستقبلها.
ويبقى السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من سينتصر في هذه الحرب؟ بل: إلى أي مدى يمكن أن تستمر؟ فكلما طال أمدها، ارتفعت كلفتها، وتجاوزت أي مكسب سياسي أو عسكري يمكن تحقيقه.










03/06/2026 - 14:28 PM





Comments